في سنة 1830 وكما يعرف التَّاريخ الحديث قامت فرنسا بواحدة من أكبر الحملات في تاريخها العسكري ربَّما بعد الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت سنة 1798-1801، هذه الحملة العسكرية، والتي كانت تحت غطاء تبشري تنصيري تنويري وبقيت فرنسا على أثر ذلك أكثر من 132 سنة في الجزائر، واستفادت من هذا البلد كما لم تستفد من أيَّة مستعمرة أخرى دخلتها..

وأكبر دليل على ذكر ربَّما هو برج إيفل العالمي والذي يُعدَّ رمز الحضارة الغربية الأوروبية، والذي صنع كلُّه من حديد الجزائر ومعادنها الطبيعية.
وبعد الاستقلال وبعد أن دفعت الجزائر ثمناً باهظاً جداً من دمائها وتاريخ أبنائها وكانت التَّضحيات مليون ونصف مليون شهيد وقبله أزيد من 7 مليون أبادهم الجنود الفرنسيون منذ أن نزلوا من السُّفن العسكرية الفرنسية، ومُنذ ذلك الوقت حاولت فرنسا بكل السُّبل والوسائل أن تسيطر على الجزائر وأن تعيدها إلى رقبتها، وبالتالي استمرارها في استغلال مواردها الطاقية والغازية والسَّيطرة على الاقتصاد الوطني وكانت بالتالي اتفاقيات إيفيان التي عقدت بين الحكومة الجزائرية المؤقتة، وبين حكومة الاحتلال الفرنسية سنة1960-1962 وكذلك محادثات مولان ولوغران ومحادثات إيفيان الثانية وغيرها.
وحاولت فرنسا فرض إجراءات سياسية صارمة على سير هذه المفاوضات بغية إجبار رفقاء الشَّهيد كريم بلقاسم على القبول بمطلبها الرَّئيسي، والمتمثٍّل في أن تبقى الصَّحراء الجزائرية ونفطها ملكاً لفرنسا دون سواها من الدُّول، ولكن كل أحلامها وأمالها المعقودة وخططها الإستراتيجية اقتصادياً باءت بالفشل، وخاصَّة بعد الإعلان عن تأميم المحروقات الجزائرية من طرف الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله بتاريخ 24 فيفيري 1971، هذا القرار السِّيادي الاستراتيجي أعطى لدَّولة الجزائرية الحقَّ في أن تسيطر على حوالي 51 بالمائة من أرباح الشَّركات الفرنسية العاملة في جنوبنا الكبير مثل “سي أف بي” و”بيتروبارو” و”أيسو” و”شال” و”موبيل” بالجزائر، وهو القرار الذي كانت له تداعيات سلبية على السِّياسة الخارجية الدَّولية، وذلك عندما فرضت الدُّول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية حصاراً طاقوياً واقتصادياً على النَّفط الجزائري، وبتحريض وتواطؤ فرنسي لا يخفى على أحدٍ من المتابعين لتاريخ العلاقات بين البلدين، وعلى كافَّة الأصعدة والمستويات.
السلطات السِّياسية الفرنسية والمراكز الإستراتيجية التي ترسم التَّوجهات الكبرى المصلحية لدَّولة هناك تضع الجزائر ضمن سلِّم أولوياتها القصوى، فالجزائر والتي لازال البعض من السَّاسة وصنَّاع القرار الأمني وأرباب المؤسسات الاقتصادية المهمَّة ولوبيات المصالح والإنتلجنسيا في باريس يرون في السَّيطرة عليها باعتبار أنها أهمُّ دولة في الشَّمال الإفريقي، وأكبر دولة إفريقية مصلحة قومية عليا، ففرنسا باعتبارها أحد الدُّول الرئيسية والمهمة في المنظومة المعولمة الرَّأسمالية وباعتبارها تمتلك ثاني أقوى وأكبر اقتصاد في أوروبا بعد ألمانيا، ومن أهم الدُّول في قوات حلف الناتو وفي الاتحاد الأوروبي يلزمها أسواق خارجية لتسويق منتجاتها الصِّناعية والاقتصادية والتجارية قطعاً.
الإستعمار الفرنسي القديم الذي يتكلم بلهجته الأم الفرانكفونية أكثر من 30 دولة حول العالم، وبعد أن فقد الكثير من مناطق نفوذه وتوسعه في القارات الخمس، وخاصة في دولٍ مثل كندا وأمريكا ودول الشرق الأوسط ودول افريقية، كبور ندي والكونغو، والسنغال وغيرها يُحاول أن يحتفظ بأهمِّ مناطق نفوذه في الضفة الجنوبية لبحر الأبيض المتوسط والتي تقع في منطقة جيواستراتيجية مهمة للغاية لملاحة الدَّولية، ويمكن له من خلالها أن يحكم سيطرته على العديد من المضايق، والمناطق الجغرافية العالية الحساسيَّة والأهمية وخاصة أوقات الحروب والأزمات، ولا ننسى بأنَّ فرنسا عندما احتل الألمان العاصمة باريس في 25 جوان 1940 رسمياً، وتفاوضوا قبل ذلك مع الماريشال الفرنسي فليب بيتان في 18جوان 1940 فرَّت المقاومة الوطنية بقيادة الجنرال ديغول إلى الجزائر، وتمَّ إنشاء حركة المقاومة الفرنسية ضدَّ الاحتلال الألماني الذي تقاسم النُّفوذ فيها مع ايطاليا وزعيمها موسيليني على أن تبقى المنطقة الحرَّة تحت نفوذ الحكومة الفرنسية المُهادنة، وبالتالي فإنَّ عملية التأثير التاريخي للجزائر في صياغة ماضي فرنسا القريب وحاضرها لا تخفى على كل متابع للإستراتيجية الفرنسية اتجاه الجزائر، والتي كانت ولا تزال في عقول نخبها تعتبرها أرضَ الأحلام الضَّائعة، وبدون الغوص في التاريخ القديم أو المعاصر لإزالة قناع إنجيل مار مُرقص عن الأطماع، والخطط التَّكتيكية لسكَّان قصر الاليزيه لاستهداف الجزائر بغية إضعافهاَ لتصبح لقمة سائغة في فم أشعب الحجازي الذي تضرب به الأمثال في الطَّمع حتى قال الميداني في أمثال العرب، “حتى قيل أطمع من أشعب”، فالفرنسيون قد جاروه في طمعه ونهمه، وفي طريقة استغلالهم لثرواتنا لعقود طويلة، والتي لا تزال مُحاولاتهم لإعادة عهودهم الذهبية في أرض الشهداء مُستمرة إلى السَّاعة.
وما يؤكد ما ذهبت إليه آنفاً هو الوثائق المسرَّبة من موقع ويكيليكس العالمي لمؤسِّسه جون أسانح، والذي فضح التعاون الأمريكي الفرنسي للتجسُّس على الجزائر، وتركيز حكام قصر الكيدوسي الفرنسي على الأطماع الاقتصادية، ودور العديد من السِّياسيين الجزائريين في التًّعاون معه في هذا المنحى، ومِنهم على سبيل المثال لا الحصر سعيد سعدي زعيم الأرسيدي السَّابق والذي يقيم حالياً في فرنسا ودوره في تحريض السَّفير الأمريكي السَّابق روبرت فورد والفرنسي برنارد باجولي على الجزائر، وهذا ما جاء في نصِّ البرقية التي تحمل رقم135031، إذ أشارت إلى تحذيره الولايات المتحدة وطبعاً فرنسا باعتبار أن مصالحهماَ تقريباً مشتركة في الجزائر، وسفراء فرنسا وأمريكا من أهم السُّفراء الغربيين اهتماماً بالوضع الدَّاخلي الجزائري نظراً لعدَّة اعتبارات أمنية، وإستراتيجية اقتصادية بالدَّرجة الأولى، حذَّره من تدهور الحقوق الديمقراطية في الجزائر وخطورة ذلك على الأوضاع في البلاد والمنطقة، وذهب إلى وصف السُّلطة الحاكمة بعصابة تكريت نسبة إلى مدينة تكريت التي ينحدر منها معظم المسئولين في عهد الرئيس العراقي صدَّام حسين في إشارة ضمنية إلى مدينة تلمسان الجزائرية التي ينحدر منها عدد كبير من المسئولين في مفاصل الدَّولة وهياكلها المؤسساتية..

وكشفت برقية أخرى مؤرخة بتاريخ 25 جانفي 2008 وفيها تفاصيل المحادثة التي جرت بين السَّفيرين روبرت فورد السفير الأمريكي في الجزائر والفرنسي برنارد باجولي في تلك الفترة الزمنية من تاريخناً، إذا صرَّح السفير الفرنسي لنظيره الأمريكي بتاريخ 23 جانفي 2008 بأن الجزائر قد لا تكون بحاجة إلى الرئيس بوتفليقة ولكن علينا التحرك، وبأنَّ الحكومة الفرنسية ترى بأن الجزائر تتجه تدريجياً نحو الاستقرار، وذلك لعدم وجود بديل مناسب له في حال رفضه التّرشح لعهدة ثالثة، وبالتالي فإنَّ الأطماع الفرنسية في الجزائر تعدت المَجالات الاقتصادية والأمنية العسكرية، وتعدتها إلى محاولة التَّدخل السَّافر في الشأن الوطني السِّياسي والذي يعتبر مسألة تدخل ضمن الأمن القومي بكل فروعه وأقسامه وأنواعه..
وتصريحات الرئيس السَّابق لفرنسا نيكولا ساركوزي صاحب الفضائح التي لا تنتهي، وأخرها ربَّما فضح علاقته بشركات بلاك واتر وإعلان الحرب على ليبيا سنة 2011، والتي أشار من خلالها بأن الجزائر دولة مهدَّدة بالتقسيم وحرَّض على قلب نظام الحكم بالقوة، وقبله كان برنارد ليفي الفيلسوف الفرنسي وضابط المُوساد الصُهيوني السَّابق والماسوني المعروف قد حاول ولا يزال نقل فوضي الربيع العبري إلى الجزائر، وبعد ذلك زيارة رئيس الوزراء الفرنسي السابق إيمانويل فالس إلى الجزائر، وتسريبه لصورة لرئيس الجمهورية بصورة متعمدة بعد رفض الجزائر منحه ما أراد من عقود، وصفقات تجارية لإنقاذ الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني من الرُّكود والتضخم.
فالجانب الفرنسي الذي حاول منذ إعلان الدًّولة الجزائرية المستقلة الإيحاء لرأي العام المحلي والأوروبي، والدولي أنًّ فرنسا لا تزال تمسَّك بكل مفاصل المشهد السِّياسي والاقتصادي والأمني في الجزائر، وبأنها تفرض كل شروطها وإملاءاتها على من تريد من مسئوليها رغم كل الخلافات التي طبعت العلاقات الجزائرية الفرنسية، والتي توترت كثيراً وبلغ فيها السَّيل الزُّبى وحسرت فيها براقش عن شعر رأسها في عهد الرئيس اليميني الأسبق ذي الأصول اليهودية والدَّاعم الأكبر للمغرب في صراعه مع الجزائر، وكذلك للاحتلال الصُّهيوني نيكولا ساركوزي، والذي فعل الأفاعيل في السِّياسة الفرنسية ومارس ضغوط هائلة على القيادة الجزائرية لتتنازل في ملفات مقتل رهبان تبحرين، وملف الصحراء الغربية، وحاول تسليط سيف أبو زيد الهلالي على قبائل بني زيد للإعتراف بشرف نسب أمِّه خضرا الشريفة على القيادة الأمنية قبل السِّياسية، وذلك لإجبارها على تقديم تنازلات في الملف الليبي، ومحاولة جرِّ الجزائر إلى التورط مباشرة أمنياً واستخباراتياً إلى جانب الفرنسيين هناك..
ورغم أنَّ الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند السَّابق عندما جاء إلى سدَّة الحكم في سنة 2012 وعد بتطوير التعاون وتعزيزه في كافة المجالات مع الجزائر، والتخلي عن لغة التهديد والوعيد، وإلقاء تعويذة الدلجموني السِّحرية على العلاقات بينهما لنسيان الماضي، وفتح صفحة جديدة تشبه نافذة المبشِّر المسيحي لويس بوش سن 1990 عندما حاول إقناع دول الغرب القوية بالانفتاح على دول الشَّرق الضعيف، ولكن تصريحات وتصرفات السَّفير الفرنسي السَّابق في الجزائر برنارد أيمي تكشف أن الأطماع التَّاريخية لفرنسا فيها لا تزال ثابتة ولن تتغيَّر في المُستقبل المنظور.
وكل ما تقوم به الدِّبلوماسية الفرنسية واستعمالها لأسلوب الجيش الألماني منذ القرن 19 وهو أسلوب المناورات المباشرة، ولكن على الصعيد السِّياسي، والتي كلفت الفيرماخت الألماني خسارة الحرب حينهاَ، ولكن يبدو أنَ تعويذة هيدزا والتي انتقلت بصورة أو بأخرى إلى كاثرين مونيفسيون زوجة الصَّائغ الفرنسي التي أضحت واحدة من أشهر السَّاحرات في تاريخ القرون الوسطى الأوروبي، والتي كان مصيرها الحرق في كفة الميزان سنة 1680 ستصيب لعنتها السِّياسة التوسعية المصلحية الفرنسية في الجزائر في مقتل..
وإذا كانت كاثرين فشلت في تسميم الملك الفرنسي لويس الرابع عشر والذي كان يلقب بملك الشَّمس العظيم والذي حكم فرنسا في الفترة الممتدة تاريخياً من 14 مايو 1643 إلى غاية 1 سبتمبر 1715، فإنَّ الجزائر كذلك قد نجت منها، إذ نجحت في بصورة أو بأخرى في وضع حدٍ للنُّفوذ والأطماع الفرنسية في الجزائر، وعدم الانصياع لقرارات الحكومة الفرنسية والتعامل معها بمنطق الندِّية ونظرية التماثل النسبي، وتعنيف الجزائر لسَّفير الفرنسي السابق بعد استدعائه من طرف وزارة الخارجية، وتوجيه كلام قاسٍ له بعد حادثة إهانة وزير الاتصال الجزائري السابق حميد قرين في أحد مطارات فرنسا، وكذلك عدم المشاركة الجزائرية في التَّدخل عسكرياً في الحرب الأهلية في مالي أكبر دليلٍ على أنَّ الجزائر تقيم علاقات متوازنة مع كل الدُّول الكبرى بما فيها فرنسا، ولكن علَّمتنا صنوف الدَّهر وتقلباته وأحواله أن لا نثق في هذه الدَّولة بالتحديد لأنها ككل الدُّول الغربية تعمل في السِّر، والعلن على أن تجعل الجزائر عبارة عن مستعمرة، وأداة لتنفيذ سياساتها الكبرى وامتداداً لأطماعها التاريخية فيها.

https://www.z-dz.com/فرنسا-وأطماعها-التاريخية-في-الجزائر/

Share.

تعليق واحد

Leave A Reply