يعكس تصريح الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، عندما ردد منذ شهر، بأنه قرأ رواية “زابور..أو المزامير” (منشورات “آكت سود”)، للكاتب الجزائري كمال داود، وأعجب بها، حجم ارتباط الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية بالسياسة. ويتضح من خلال هذا الارتباط الوثيق، أن هذه الرواية لا صلة لها البتة بالاعتبارات الفنية والجمالية، بل باعتبارات سياسية وأيديولوجية. ويسعى الكتاب الفرانكفونيون الجزائريون، منذ بضع سنوات، للدفاع عن المُخيلة الكولونيالية الفرنسية بالجزائر، وإبراز لحظات تعتبرها إيجابية، ضمن ما أصبح يسمى بتمجيد الاستعمار، وتصوير “التعايش السلمي” المزعوم بين الأوروبيين والسكان الأصليين، متجاهلة تاريخا استعماريا دمويا قائما على القمع والإبادة، لإرضاء لوبي مهيمن يسمى لوبي “الجزائر الفرنسية”، ينشط بقوة في بلديات جنوب فرنسا، ويصل تأثيره إلى باريس، ويرعاه فكريا نخبة من الكتاب، على رأسهم “الفيلسوف” بيرنارد هنري ليفي، المولود بالغرب الجزائري (بني صاف) سنة 1948.

ارتبطت الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية، بدور النشر في باريس. انتشرت بعيدا عن الوطن، لظروف تاريخية، حيث اضطر الروائيون الرُواد (محمد ديب، مولود فرعون، مولود معمري، وآسيا جبار) قبل الاستقلال سنة 1962، لنشر أعمالهم في المركز بعيدا عن سيطرة، وسلطة دور النشر في الجزائر، التي ارتبطت بالمؤسسة الكولونيالية، فروجت لأدب المستعمرة، ولكتاب “الأقدام السوداء”، رافضة أي نزعة أدبية للسكان الأصليين. بيد أن هذا الارتباط، لم يؤد بهؤلاء الكتاب إلى تقديم أي تنازلات، فكتبوا روايات ملتزمة، ونضالية مناهضة للوجود الاستعماري، ترفض أي تواطؤ معه.

ظل ارتباط هؤلاء الروائيين الجزائريين بالمركز قائماً حتى بعد الاستقلال، نظرا لالتزامهم بنظرة نقدية تجاه خيارات الدولة الوطنية. كانوا في حالة من القطيعة مع مؤسسة النشر الرسمية في البلاد، فكتبوا أدباً استنكاريا، بدأ مع رشيد بوجدرة برواية “التطليق”، وامتد إلى غاية جيل الطاهر جاووت صاحب رواية “الباحثون عن العظام”. راح هذا الأدب ينمو في باريس، ويترعرع بدور نشر شهيرة مثل “لوسوي”، و”دونويل”، و”ألبان ميشال”. كان مدفوعا ومسكونا بالرغبة في إظهار إخفاقات الدولة الوطنية الجزائرية، لكن دون تقديم أي تنازل في اتجاه تمجيد الاستعمار الفرنسي، أو إعادة قراءة تاريخ “حرب التحرير”، ومراجعة أسسه الوطنية.

بدأت تظهر بوادر التحول، حينما تخلى محمد ديب عن الكتابة الروائية النقدية الملتصقة بخيارات ما بعد الاستقلال، مُبديا ميلا نحو الكتابة الفلسفية التي تخاطب الإنسان، فامتنعت دار النشر “لوسوي” الشهيرة عن التعامل معه، بحجة تراجع رواج رواياته، مما اضطره لنشر ثلاثيته الثانية، الشهيرة بثلاثية الشمال ( ضمت روايات “سطوح أورسول”، “إغفاءة حواء”، و “ثلوج المرمر”) لدى دار “سندباد” (التي اشترتها لاحقا منشورات “آكت سود”). اتضح حينها، مما لا يترك أي مجال للشك، أن دار “لوسوي” لا تنظر إلى الروائي الجزائري إلا ككاتب “سياسي” يحمل خطابا مُناهضا للسلطة الجزائرية، وليس ككاتب مبدع قادر على إبداع عوالم أدبية متخيلة مثلما فعل محمد ديب في ثلاثية الشمال، التي كتبها بعد أن أقام في “فنلندا”، منتصف سبعينيات القرن العشرين.

غير أن التحول الحاسم الذي حصل في التسعينيات، بخصوص علاقة المثقف بالسلطة في الجزائر، جعل معظم هؤلاء الروائيين، وعلى رأسهم رشيد بوجدرة، يقفون مع السلطة الحاكمة في الجزائر، ضد صعود التيار الإسلامي المُتطرف. آنذاك، كانت باريس تساند الإسلاميين عملا بإملاءات الرئيس فرانسوا متيران، (وزير العدل وحافظ الأختام الأسبق، بين 1956 و1957، والذي كان يصدر الأوامر بإعدام فدائيي جبهة التحرير الوطني خلال معركة الجزائر)، فغضبت المؤسسة الثقافية الفرنسية على بوجدرة جراء ذلك الخيار، فطردته نهائيا من صالوناتها الأدبية، بمجرد أنه أبدى تعاطفا مع تصورات نظام الحكم بشأن الخطر المحدق بالتجربة الديمقراطية. علما أن بوجدرة تخلى عن الكتابة بالفرنسية سنة 1982، وكتب رواية “التفكك” بالعربية، ونشرت بدار “ابن رشد” ببيروت.

لم يعد بوجدرة يحظى بأي اهتمام من قبل وسائل الإعلام الفرنسية، بعد أن أصبح يبدي صراحة ميولاً وطنية أزعجت صالونات باريس الأدبية، فاختفى إعلاميا، وحل محله الروائي بوعلام صنصال، صاحب القدرة الخارقة على تقديم كتابة “شرسة” ونقد لاذع تجاه المجتمع الجزائري، مع إظهار صريح لمعالم فرنسا الاستعمارية في الجزائر، ومباهج الحياة قبل الاستقلال، دون أن يعطي لنفسه، وهو حال كثير من الأدباء، عناء الحديث عن جرائم الاستعمار، في وقت كان فيه المؤرخون الجزائريون يطالبون بتجريم فرنسا نظير جرائمها الفظيعة، ضد الجزائريين، وإدراج ما قامت به ضمن الجرائم ضد الإنسانية.

فتح صنصال، (وهو موظف سابق في وزارة الصناعة الجزائرية) المجال أمام أدب جزائري مكتوب باللغة الفرنسية تحكمه “نوستالجيا” واضحة، تستعيد ما يمكن تسميته بـ “الزمن الكولونيالي البهي”، الذي اتسم حسبه بـ “التعايش السلمي بين السكان الأصليين والمعمرين”، في “حظيرة استعمارية”، كان لها “وجه إنساني”، حقق نبوءة فيكتور هيغو، صاحب فكرة “الاستعمار نزعة إنسانية”، ضمن إيمانه بـ “المهمة الحضارية لأوروبا”. وقد تزامن ظهور هذه النزعة “النوستالجية”، مع انتخاب قانون “تمجيد الاستعمار”، سنة 2005.

هاجس الآخر سيبقى يسكن الكتابة في الجزائر

ضمن هذا السياق، قال الدكتور حميد بوحبيب، أستاذ الأدب بجامعة الجزائر، لـ “ضفة ثالثة”، إن “هاجس الآخر سيبقى يسكن الكتابة في الجزائر، و لا غرو في ذلك، فالأدب الجزائري الحديث ولد من رحم المأساة الكولونيالية، ولكن إذا كان جيل الرواد قد اختار خندق المقاومة، والمواجهة المكشوفة مع الميتروبول، وكتب من منظور تحرري واع بمقولات الهيمنة الثقافية، وحاول بكل نبل أن يفكك الخطاب الاستعماري ويفضح مركزيته الإقصائية، فإن الجيل الحالي (ليس كله بطبيعة الحال) يبدو مهووسا أكثر بنيل الاعتراف من الآخر”.

ويعتقد بوحبيب، أن كثيرا من هؤلاء الروائيين أصبحوا يهرولون نحو التكريس، والاحتفاء، والشهرة، والصالونات الأدبية الباريسية، والصدى الإعلامي في الضفة الأخرى، وإغراء الترجمة، وإعجاب النقاد والجوائز إن أمكن”. وأضاف: “إن سوق الأدب في الغرب اليوم، أصبحت مؤسسة شرسة لها آلياتها ومعاييرها التي “تُسلعن” بها الإنتاج الأدبي ضمن رؤية أورومركزية واضحة، تفرض خطوطها الحمراء على الأدباء حينا، و تغريهم بموضوعات استهلاكية حينا آخر. وبالتالي فإن الأدباء الشباب حين يفتقرون إلى خلفية إيديولوجية رصينة، يجدون أنفسهم منساقين إلى موضوعات ومضامين رائجة في الضفة الأخرى”.

وبحسب حميد بوحبيب، دائماً، فإن هؤلاء الروائيين الذين ترعاهم المؤسسة الثقافية الفرنسية، اهتموا بمواضيع الجنس، والدين، والإرهاب، والفساد، وحقوق الإنسان، والسياسة، ليس من زاوية اختراق “الثالوث المحرم”، بغرض الإسهام في تحرير العقول وتقديم رؤية نقدية ثورية تهدف إلى تحرير من غياهب القهر والجهل، كما كان يفعل جيل الرواد، ومن جاء بعدهم مباشرة (كاتب ياسين، ومحمد ديب، ووطار وبوجدرة …)، بل من منظور جلد الذات، ونسف كل ما هو إيجابي، بل وحتى التشكيك في كل المقولات الثورية السابقة. من هذا المنظور، أصبح بعضهم يكتب كمستشرق منحاز. بمعنى أنه يستجيب طائعا لكل إملاءات المؤسسة الشرسة، التي هي السوق الأدبية الغربية، الفرنسية خاصة”.

نظرة الأيديولوجية المهيمنة الفرنسية لكتاب المستعمرات القديمة

ومن جهته، رد الروائي محمد ساري، على سؤال :”ماذا تنتظر النخب الفرنسية من الكاتب الجزائري الذي يكتب بلغتها؟”، وقال لـ”ضفة ثالثة”: “قرأت مرة مقالا كتبه ناقد وأديب فرنسي من أكاديمية “الغونكور” حول رواية “مشقة للعيش” للروائي الراحل رشيد ميموني، يقول فيه بصريح العبارة إننا لا ننتظر من الجزائريين إبداعا في مجالي الشكل الأدبي أو اللغة الفرنسية، فيكفي للفرنسيين “مارسيل بروست” و”كلود سيمون” و”ألبير كامو”. إذا، فالنخبة الفرنسية تنتظر من الكاتب الجزائري أن يقدّم وثيقة وإن في شكل رواية عن بلده”. والمعروف أن نظرة الأيديولوجية المهيمنة الفرنسية لكتاب المستعمرات القديمة، حسب محمد ساري، لم تتغير في جوهرها، أي أنها ما زالت تعتبر أن الاستعمار فعل إيجابي، وإن اعترفت بمساوئه حتى لا تقول مجازره، ثم إن الدول المستقلة لن تستطيع تسيير شؤونها خارج فرنسا. وأضاف :”إن الحنين إلى الجزائر الفرنسية يسرهم كثيرا أن تغرق الجزائر المستقلة في أوحال التخلف والفوضى السياسية والاقتصادية. انطلاقا من هذه الاعتبارات، فإن النخب الفرنسية تنتظر من الكاتب الجزائري أن يدعّم أقوالها من خلال التركيز على الجانب السلبي لواقع الجزائر في ظل حكومات الاستقلال، وللأسف فهي كثيرة، كما تنتظر منه الالتفات إلى الفترة الاستعمارية للطرق إلى بعض الجوانب الإيجابية. واعتبار تعريب الجزائر كارثة وتخلفا بل وجريمة ضد الإنسانية (بوعلام صنصال)، ولهذا تجد الكاتب الجزائري الذي تحتفي به وسائل الإعلام أول ما يبدأ به التهجم على اللغة العربية، واعتبارها لغة دين وزوايا وبعيدة كل البعد عن الحداثة والتنوير (كمال داود في تصريحاته الأخيرة)”.

لذلك نرى، حسب محمد ساري، أنّ الكتاب الجزائريين يبحثون، زيادة إلى إضفاء طابع السواد على صورة الجزائر المستقلة، مثلما نجد في رواية “قسم البرابرة”، لبوعلام صنصال، ورواية “ميرسو… التحقيق المضاد” لكمال داود)، وهو للأسف أمر واقع مرير لا مناص لتجاهله، يلجأ الجزائريون إلى الاجتهاد في العثور على جوانب إيجابية في الفترة الاستعمارية مثلما نجده في رواية “فضل الليل على النهار” لياسمينة خضرا، ورواية “قرية الألماني” لبوعلام صنصال”، ومؤخرا “ثرواتنا” لكوثر عظيمي حول الناشر “إدموند شارلو”، الذي بالمناسبة رفض نشر رواية “ابن الفقير” لمولود فرعون، رفضها الكاتب “الموهوب جان عمروش”، الذي كان قارئا لهذا الناشر الشيء الذي لم تذكره الكاتبة، وكذا رواية عبد القادر جمعي “حياة الأب لامبير”، الذي تقلّد منصب رئيس بلدية وهران في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، أي في فترة استعمار فرنسا للجزائر. لنلقي نظرة من هذه الزاوية إلى جميع روايات “البيست سيلر”، أي الروايات المحتفى بها والتي نالت حظا واسعا من الإشهار، نجدها كلها بلا استثناء تدخل في هذه الخانة”.

الكتابة الروائية الجزائرية الفرانكفونية تعيش مرحلة حروب الذاكرة

تدخل الرواية الجزائرية الفرانكوفونية ما بعد الكولونيالية، حسب الدكتور وحيد بن بوعزيز، أستاذ النقد الأدبي بجامعة الجزائر، في منعطف تاريخي حاسم؛ يمكن أن نطلق عليه منعطف حروب الذاكرة. إذ تتميز هذه الرواية بالبينية وحضور التاريخ كثيمتين مهمتين في حسم أيديولوجيا الانتماء أو الاستقلال. وقال بن بوعزيز لـ “ضفة ثالثة”: “حينما نقوم بإطلالة على أهم ما يكتبه المختصون في الدراسات النقدية ما بعد الكولونيالية، والتاريخية المعاصرة حول موقف الخطاب الرسمي الفرنسي من الاستعمار، نجد بأن التنكر للتاريخ الدموي والهمجي يعد سمة اتسمت بها الجمهورية. فلا يوجد إلى حد الآن إعلان رسمي يعترف بسلبية الاستعمار فما نجده هو العكس تماما. يدل هذا أن إيديولوجيا الأقدام السوداء تشكل قوة لا يستهان بها في مجال الذاكرة الرمزية، خاصة أنها أصبحت متواطئة الآن مع اليمين بكل تشكلاته وأطيافه”.

ويرى، بن بوعزيز، أن تدخل أيديولوجيا “الأقدام السوداء” (وهم سكان الجزائر من الأوروبيين خلال مرحلة الاحتلال) لكي تتحكم في الكثير من الكتابات التي تمس الذاكرة المعقدة بين الجزائر وفرنسا خول لها أن تصنع أجندة سياسية وحقلا أدبيا روائيا يخدم فكرة الجزائر الرغيدة أثناء الاستعمار، لم ينبر لهذا التوجه كتاب فرنسيون فقط، بل راح الكثير من الكتاب الجزائريين يعيدون إنتاج هذه الأيديولوجيا الاستعمارية مرات بسذاجة عارمة، ومرات انطلاقا من دافع انتهازي يرام من خلاله الشهرة والعيش في عالم الميديا الذي تتحكم فيه للأسف لوبيات مشبوهة.

وأضاف: “إن التنكر للذات والتاريخ سمتان أساسيتان في هذه الكتابات، فالكتابات الجزائرية المعاصرة، التي تروج لها كثيرا لوبيات إعلامية مصهينة وغارقة في إنتاج الإسلاموفوبيا؛ أعادت فتح التاريخ الجزائري من منظور الأنديجان الذي قبع تابعا subalterne لسيده المستعمر، فصورة الجزائر في هذه الكتابات هي صورة المنشآت والمؤسسات والفضاءات الاستعمارية، هي صورة الجزائري الأصلاني الصامت والعابر والعرضي”.

تبين لنا هذه النصوص، حسب بن بوعزيز، بأن الجزائري كان يعيش بسلام تام مع المعمر، لهذا ستصبح الثورة في هذه الكتابات بمثابة تشويش تاريخي وتلويث لهذا الفضاء النقي، في حين يعلمنا فرانز فانون قانونا مركزيا في كل اللحظات الاستعمارية، وهو أن الفضاء الاستعماري فضاء انقسامي وعنصري بامتياز.

وقال: “للأسف يكاد أن يصبح الآن بعض الكتاب الجزائريين يشكلون طابورا خامسا في هذه الحرب الرمزية. بتشويههم للتاريخ الحقيقي وتزويرهم للحقائق، فمنهم من يطهر صورة الحركي، ومنهم من يضفي طابعا طوباويا على الزمن الاستعماري، ومنهم للأسف من يعيد إنتاج صورة الجزائري السلبية التي صنعتها أبنية استشراقية منذ القرن التاسع عشر”.

وختم قائلا: “إن الدوافع النفسية والاجتماعية التي تختفي من وراء هذه الظاهرة ما بعد الكولونيالية كثيرة جدا، ولكن يبقى أن عدم وجود جدية في كتابة تاريخ هذه المرحلة من منظور قومي (ليس شرطا أن يكون رسميا) فتح الباب على مصراعيه. لأن التاريخ مرتع لسرديات كبرى تكون فيه الغلبة للأكثر حضورا”.

الدوائر الفرنسية السياسية والثقافية لم تفقد حلمها القديم في الهيمنة

أما الروائي عبد الوهاب بن منصور، فيرى أنه على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على استقلال الجزائر عن فرنسا، وعلى الرغم من كلّ محاولات فكّ الارتباط والتأثر بفرنسا كرفض الانضمام للمنظمة الفرانكوفونية، فإن الدوائر الفرنسية السياسية والثقافية لم تفقد حلمها القديم في الهيمنة الثقافية على الجزائر، وقد ضاعفت من جهودها مع بداية الألفية الجديدة، بعد حضور الجزائر كعضو ملاحظ في قمة الفرانكوفونية بلبنان (2002) ثم كعضو خاص بعد ذلك، وتراهن مع كل دخول أدبي جديد على أسماء جزائرية تكتب بالفرنسية، في محاولة لتقديم أو لصناعة “بيست سيلر” أدبي جزائري، أو على الأقل لجعل الكتابة باللغة الفرنسية لها امتيازاتها وأفضالها في ساحة ثقافية جزائرية أغلب كتابها يكتبون باللغة العربية أو الأمازيغية.

وقال بن منصور لـ “ضفة ثالثة”: “والمراقب للمشهد الثقافي يدرك أنّ فرنسا تحاول، دوما، أن تتبنّى أقلاما من داخل الجزائر، وتراهن عليهم ليتحولوا إلى أصواتها في داخل الجزائر، في محاولة لتبييض الاستعمار وتمجيده وجعل الثورة الجزائرية عديمة الفائدة. لكنها تبقى مراهنة غير مؤكدة نتائجها بعد الخيبة الكبيرة مع رشيد بوجدرة، الّذي لم يتبع إملاءات الدوائر الفرنسية وأعلن عن ثبات مواقفه إزاء فرنسا الاستعمارية، وهو ما حدث مع كاتب ياسين وقبله محمد ديب، هذا الأخير الذي اضطر إلى تغيير دار نشره إلى ألمانيا”.

جلْدَ الذات والخضوع لإملاءات ما بعد الكولونيالية مرض أصاب النُّخب

يعتقد الدكتور ابراهيم صحراوي، أنه من ملامح ما بعد الكولونيالية ما يُعرَف بـ”الازدواج الوجداني-ambivalence” المصطلح الذي استعاره “هومي بابا” من علم النفس لوصف تأرجح العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر بين الرفض والقبول ومنها أيضا الغيرية-altérité. يظهر هذان المَلْمحان واضحين، حسب صحراوي، في كتابات وآراء وتصرفات الطرفين. وقال: “الحقيقة أنّ الإفلات من تأثير المحتلِّ السابق لدى مثُقَّفي المستعمرات السابقة خصوصا من يستعمل لغتَه صعب جدا إن لم نقل إنّه مستحيل، بفعل عمل المحتلّ السابق على صناعة الآخر الذي كان من مشمولاته في فترة ما، وقولبته على نحو يبقيه تابعا دائما لثقافته ودائرا أبديا في فلكه ومتلقيا طيِّعا ومستهلكا (عن وعي أو عن غير وعي) لكل ما يصدر عنه من قيم ومبادئ. ذلك أنّه إن كانت القاعدة الكبيرة من المتلقِّين المُفترَضين (والفعليين حصرا) لهؤلاء المثقّفين (الروائيون تحديدا) هم من يستعملون هذه اللغة، ومن ثمّ فإنّ فضاء التأثُّر والتأثير هو حتما الفضاء الثقافي لتلك اللغة ومراكزه الفاعلة ثم الأطراف والحواشي التّابعة، فإنّ ورثة “غنيمة الحرب” وخضوعهم للإمبريالية الثقافية للمحتلّ السابق، أيْ لفضاء تلك اللغة وتراثها الماضي والآني (حتى في مستوى مناهضتها ومهاجمتها أو تقويضها) تحصيل حاصل يعيق أيّ تحرُّر من الرؤى والمقولات الكولونيالية وتأويلاتها للمظاهر الثقافية والحضارية للآخر المستعمَر سابقا”.

يبدو هذا الخضوع جليا، وفق طرح إبراهيم صحراوي، في تحليل موضوعات الكتابات (الروائية على سبيل المثال لا الحصر) وبُناها السردية والعقدية ومواقف شخوصها (والتي تعكس جانبا كبيرا من المواقف الحياتية الفعلية لمؤلِّفها) وخصائص أجوائها وحتّى أزمنتها (عند استدعاء الجوانب الطريفة-pittoresque والغرائبية-fantastique).). وقال: “ومن هنا فإنّ نظرة بسيطة لعُقدِ روايات: “الاعتداء”، و”سنوات كابول” لـ “ياسمينة خضرة” مثلا والمواقف الواضحة المُعبَّر عنها فيها تُرينا أنّها لا تعدو كونَها تنويعات للموقف الغربي (الفرنسي، هنا) من الصِّراع العربي الصهيوني وطالبان، كما لا تخلو روايةُ كمال داود الأخيرة “زابور..أو المزامير”، من شيء من هذا القبيل عبر الغرائبية التي تطبع أجواءها حدثا وأمكنة وشخوصا وإعادة إنتاج بعض مظاهر التخلُّف”.

وأضاف :”الغرائبية التي ما زال الغربيون يعشقونها في مستعمراتهم السابقة ويصنعون منها فرجتَهم التي تعكس لهم ما يحبّون رؤيتَه والاستمتاعَ به: التفوق على هذا الآخر المُستعمَر السابق، والتأكيد على ريادتهم ومشروعية مواصلتهم مهمّتهم التمدينية. أمّا تصريحاته ومقالاته (مجلةّ Le Point، الأسبوعية الفرنسية واسعة الانتشار، نموذجا) فبإمكان أيٍّ كان العودة إليها. وقل الشيءَ نفسه عن روائيين آخرين يعيشون ويكتبون وينشرون شمال المتوسِّط. لكن ولكي نكون أمناء وموضوعيين إلى حدٍّ ما، نشير إلى أنّ الخضوع للإمبريالية الثقافية للمحتلِّ السابق، وكذا التأثُّر بخطاب ما بعد الكولونيالية والخضوع لإملاءاتها لا يقتصر -عندنا مثلا- على النُّخب المثقَّفة باللغة الفرنسية فقط، بل يتعدّاها إلى النخب المثقّفة باللغة العربية في مواقفها من القضايا المطروحة على الساحة، الحداثة والأقليات (من كلِّ صنف) مثلا. ومن ثمّ فإنّ جلْدَ الذات وإعادة إنتاج مظاهر التخلُّف والخضوع لإملاءات ما بعد الكولونيالية مرض أصاب النُّخب عامّة مهما كانت لغة إنتاجها الفكري.

https://www.alaraby.co.uk/diffah/herenow/2017/10/16/الرواية-الجزائرية-المكتوبة-باللغة-الفرنسية-جلد-الذات-والخضوع-للإملاءات

Share.

Leave A Reply