بدون لف أو دوران !

وانت تستمع لأراجيف سدنة النظام الجزائري عن الحرية والعدل واحترام الدستور والقانون والدفاع عن الشعب والوطن تشعر في الوقت ذاته بزلزلة وتقزز وحزن وتمرد وتتساءل هل هؤلاء بشر مثلنا وهل في عجينتهم ذرة صلصال من أرض الجزائر وفي دماءهم قطرة واحدة من دم الشهداء وفي قلوبهم نبض واحد في حب هذا البلد المغدور وهل في رؤوسهم ما يشبه المخيخ والمخ كباقي الخليقة؟

آخر هؤلاء الفريق قائد الأركان ونائب وزير الدفاع الوطني السيد أحمد ڨايد صالح..هذا الرجل أدخل تقليدا غريبا عجيبا ولأول مرة ،فيما أعلم، في تاريخ جيوش العالم هو تحويل اللقاءات والزيارات والمناورات إلى “عكاظية” يقرض فيها كل مناسبة ضابط “شويعر وشعرور” شيئا مما يحاكي الشعر في مدح القائد الفريق وتعداد خصاله ومناقبه.أما حضرته فينتشي وبريق المتعة يسطع من عينيه ووجهه. ومن “الشعر ” ما يجيش قاعات تصفق ويصنع مشاعر حب وولاء جياشة ويحرك جأش صاحبنا نرجو أن يكون له رابط جأش في المعارك والأزمات.
أغلق هذا القوس الذي طالما حز في نفسي وأنا أرى عدوى مدح الملوك والرؤساء تنتقل كالطاعون إلى جسد الجيش وروح القادة.

أحمد ڨايد صالح يحمل قبعتين و يمارس المهام الموكلة إليه تحتهما. قبعة العسكري بوصفه فريقا وقائدا للأركان وقبعة سياسية بوصفه نائب وزير الدفاع.ولذلك، لا يتردد السيد أحمد ڨايد صالح من الجمع في خطبه و كلماته، وهو الذي يتحدث بصفة شبه يومية بعشرات المرات أكثر من أي سياسي أو مثقف في الجزائر، بين ما يدلي به من “توجيهات” عسكرية وما يبعث به من “رسائل ” سياسية لهذا الطرف أو ذاك.
آخر تلك الرسائل كانت موجهة لبعض المخبولين من أشباه السياسيين والمثقفين الذين نادوا الجيش، بطريقة صريحة أو مبطنة، للتدخل وحسم مسألة الشغور في منصب الرئيس بحكم مرض بوتفليقة وكأنهم يريدون إطالة عمر النظام وتقاسم بعض ريعه متناسين أن الجيش في الجزائر لا يمكن أن يكون الحل لأنه جوهر المشكلة.
فبدل العمل المجتمعي الفاعل للتخلص من سطوة الجيش على البلاد وصناعة الرؤساء، هاهي ذهنياتهم ونفوسهم المعسكرة بحكم ولاءاتهم ومصالحهم تناضل من أجل استمرار الجيش في الحكم غير الراشد لنصف قرن آخر.
والادهى في الأمر بل والعبثي أن يرد قائد الأركان عليهم بلغة الشرعية والدستورية وما سمي لغطا ولغوا ب”الدولة المدنية” وراح يردد في كل التصريحات والكتابات” سيحترم الجيش مهامه الدستورية ولن يحيد عنها” وأن ” عصر الانقلابات التي يريد هؤلاء من الجيش القيام بها قد ولى”.

كلام السيد ڨايد صالح من المضحكات الملكيات للأسباب التالية:
1. متى احترمت القوات المسلحة الجزائرية الدستور؟ وهل خضع تسييرها في يوم من الايام للدستور أو لأي شرعية دستورية؟
2. أليس القوات المسلحة منذ الاستقلال هي صانعة النظام ومرادفة الدولة والقوة فوق-الدستورية الخارجة عنه حتى وإن كانت هي التي وضعته شكليا أو بمعية مرتزقة ممن يعرفون بالفقهاء الدستوريين؟
3. كيف يتحدث الڨايد صالح عن تقيد القوات المسلحة بمهامها الدستورية في ظل نظام حكم غير شرعي وخارج عن القانون هي صانعته وحاميته؟ ألم يهنيء هو ذاته باسم وزارة الدفاع الوطني السيد عمار سعداني حينما “انتخب تعيينا” على رأس حزب جبهة التحرير الوطني؟
4. كيف لقائد الأركان ونائب وزير الدفاع أن يتبجح باحترام الدستور ووزير الدفاع(يعني وزيره ورئيس “الجمهورية” في الوقت نفسه أي السيد بوتفليقة) لا يؤمن بالدستور ولا يحترمه. ألم يصرح بوتفليقة بذلك ما إن اعتلى سدة الحكم سنة 1999؟ الم يخرقه سنة 2002؟ ألم يدس عليه كل مرة بأمرياته الرئاسية في كل فترات عطل ما يسمى البرلمان بغرفتيه؟ ألم يغتصبه سنة2008 خاصة في مادته 74 التي كانت تمنعه من عهدة ثالثة؟ ألم يرم به في سلة المهملات ليخيط لنفسه دستورين على مقاسه في 2008 و2016؟ ألم يتجاوز صلاحياته ويفرض تعديلات عبر برلمانه في قضايا حاسمة الشعب وحده هو المستفتى والفصل فيها؟ ألم “يتبول” على الدستور ويعطل بالقوة تطبيق المادة 102(88 سابقا) وهو المريض المقعد ذهنيا وجسديا؟ ألم ينتهك عرض الدستور والشعب وهو يفرض نفسه مرشحا لعهدة رابعة وهو على حافة القبر ولما يشارك حتى في حملته الانتخابية على نفسه(شوفو زوجوني وأنا غايب يقول المثل الشعبي الجيجلي)؟ ألم ينقلب على الدستور والشعب والوطن وهو يسلم مقاليد الحكم لأخيه وزمرته ليقرروا في مصير البلاد؟ الخ من الحقائق بالعشرات التي تثبت معاداة الرئيس ووزير الدفاع والجيش والبرلمان والمجلس الدستوري للدستور والقانون والشرعية والشعب والجزائر.
ما تعرفه البلاد يصنف صراحة في خانة الخيانة العظمى وأحكامها منصوص عليها بوضوح في الدستور والقانون.
5. لا أعتقد أن السيد ڨايد صالح من الذين يؤمنون بالدستور والمؤسسات وثقافة دولة القانون الحديثة. أما حديثه بتلك اللغة فلا يعدو أن يكون سوى جعجعة واستمناء و لزوم ما لا يلزم الهدف منه إبعاد شبهة الطموح في الرئاسة ولو لفترة انتقالية واثبات الولاء لبوتفليقة وعصبته..فمصيره مرتبط بهما لأسباب لا مجال التفصيل فيها الان وهو يعلم أن خليفته قد حضر لوقت إحالته على التقاعد…اللهم إلا إذا ….
6. القوات المسلحة الجزائرية جيش انقلابي وسياسي بامتياز. ومادامت الجزائر لم تعرف دولة القانون والمؤسسات والشرعية الشعبية والتداول الديمقراطي على الحكم برقابة برلمانية على الجيش واستقلال القضاء وحريات فعلية مضمونة للاعلام والمجتمع المدني فكل حديث عن احترام الجيش للدستور ومهامه الدستورية كما في الديمقراطيات يظل ضربا من التمييع والهراء واهدار طاقة ووقت الجزائر.

ولو لم يكن بوتفليقة وعصبته قد جعلوا قيادات الجيش موالية لهما كما فعلا مع المجتمع السياسي والمالي والإعلامي والجامعي،الخ لانقلاب الڨايد صالح أو جماعة أخرى على بوتفليقة والاطاحة به معلنا أو معلنة في البيان رقم 1 عن كل ما صار معروفا في تاريخ الانقلابات العسكرية في جغرافيتنا الأفريقية المغاربية العربية.
وللحديث بقية.

بدون لف أو دوران !متى احترمَ الجيشُ الدستور؟بقلم فضيل بومالهوانت تستمع لأراجيف سدنة النظام الجزائري عن الحرية والعدل…

Posted by Fodil Boumala on Monday, September 11, 2017

Share.

Leave A Reply