كلاهما يسمى أحمد..وكلاهما كان وزيرا ورئيس حكومة..لكنهما مختلفان جذريا. الاول اقتصادي تكنوقراطي والثاني موظف بيروقراطي. الاول سياسي بالعلم والثاني سياسوي بالشعبوية. الاول عقلاني ورجل تخطيط والثاني انتهازي ثعلبان. الاول محلل ذكي أما الثاني فمبرر سفسطائي. الاول يدافع عن المنطق ولو يستقيل والثاني يكذب بصدق ولا يهمه سوى الولاء. الاول يفكر في بناء دولة وحكامة أما الثاني فخادم للنظام وغريزته السلطة. الاول صاحب رؤية استشرافية أما الثاني فماضوي قديم. وفي المحصلة، فأحمد الاول يصبو الى التغيير من أجل جزائر صاعدة جديدة أما أحمد الثاني فيكرس الانسداد ويجهض كل مستقبل مختلف.
أعرف السيد ابن بيتور عن قرب ولي معه اختلافات منهجية وخلافات حول التغيير كما لي عليه مؤاخذات تمس العلاقة بين التكنوقراطي والسياسي.
أما السيد أويحي فلم ألتق به أبدا ومواقفي منه نابعة من مواقفه وخطاياه وتقلباته ورؤاه للباطل حقا وللحق باطلا.

الكلام الذي ورد على لسان أويحي فيما يخص الخبراء والساسة هو الذي دفع بي للإدلاء بهذه الشهادة. وقبل إيجازها أرد بالمختصر المفيد على ذلك “الجهل المدقع” الذي يتدفق من فم الوزير الأول الحالي. فجهل الرجل بمسائل العلم والاقتصاد والتكنولوجيا وبناء الدول أكبر مما كنت أتصور.
1.صحيح أن وظيفة الخبراء والمفكرين ليست هي وظيفة الساسة على رأس المسؤولية. ذلك صحيح لأن الخبير والمفكر والباحث في الدول المؤسساتية الحديثة هو الذي يفكر ويصنع السياسات العامة ويقدم الخيارات والبدائل فيما يسمى ب “صناعة القرار”..ليأتي بعدها المسؤول السياسي وينطلق منها في تحديد المواقف والسياسات وهو ما يسمى “اتخاذ القرار”. وبما أن أويحي ترعرع وكبر في نظام يتخذ القرار ارتجالا وجهلا قبل صناعته، يبدو له أن العالم يسير وفق نموذج نظام الجزائر.
2. الخبراء يا سيد أويحي لا ينظرون بالمعنى السلبي الذي تقصده..الخبراء يفكرون الواقع ويحللون المدخلات والمخرجات ويقاربون كل الفرضيات والاحتمالات ويستشرفون الأزمات ويضعون لها آليات الوساطة والتفاوض والحل بما تفرضه الرهانات والبدائل. أما السياسي ،في غير نظامك، يا سي أويحي فليس كائنا ريعيا كما أنت. أي لا يشجع أو يفرض على شعبه من الاكل من رأس المال ويأتي بعدها ليحمله مسؤولية ما أسميته بالجحيم.
لو فتحنا ملفك السياسي كمسؤول مباشر لتم تحميلك وزر الفساد والافساد بصيغ “ما سبق وما هو حاصل وماهو آت”. الدولة يا عم “جهول”، حتى وإن لعبت دورا اجتماعيا، فإنها تعني الدولة-الاستراتيجيا وليس دولة إدارة وتوزيع الريوع في ما يسمى بالنفقات والتجهيز.
3.إنك لا تضمن أي شيء ولست رجل دولة فما بالك بعلاقتك بالخبرة والتفكير والسياسة. لا تؤمن بعقول الخبراء واهل العلم وتجارب الامم لأنك تنظر للعالم بعيون بوتفليقة خدمة وارضاء لبوتفليقة لاغير..ولذلك، صار عندك بوتفليقة هو الخبرة والحكمة والحل لكل شيء..والحقيقة أن بوتفليقة،مرجعك الاكبر، من أبعد الناس عن سياسة الملك.

أما عن الشهادة فتدور قصتها حول علاقتي بالدكتور احمد وموقفي منه لما أخطأ في حق نفسه والجزائر وقبل بمنصب رئيس الحكومة تحت حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. كانت خطيئة ولكنه تداركها باستقالة مشرفة بعد أقل من سنة لا زال الناس يذكرونه بها بكل تقدير واحترام.
قبل تعيينه نهاية ديسمبر 1999، التقينا بمطار تونس قرطاج الدولي. كان متجها إلى عمان/الاردن للمشاركة في ندوة من تنظيم البنك الدولي وكنت متجها إلى القاهرة بدعوة من المفكرين حسن حنفي وعاطف العراقي للمشاركة في مؤتمر حول “العلم والفلسفة في مائة عام”. في خضم حديثنا عن رحيل زروال ومجيء بوتفليقة وتأخر هذا الأخير شهورا طويلة في تشكيل اولى حكوماته، قلت لسي ابن بيتور” أتوقع أن يعرض عليك منصبا ما..لأنه سيبحث عن واجهات تمهد له الاستقرار النهائي على العرش…أرجو ألا تقبل وتخاطر بسمعتك وتعطيه ذرة من شرعيتك”. وافقني سي احمد الرأي لكنه قبل بما عرضه عليه في ظرف سبق وأن شرحه مرارا. اغتضت من ذلك وقاطعت سي احمد الصديق اكثر من شهرين. والتقينا بعدها،بطلب منه، ببيته كما التقينا أيضا بعدها رفقة الراحل بشير بومعزة،رئيس مجلس الأمة آنذاك، عدة مرات. وجدته ممتعضا وقلقا مما جعله “يعطيني الحق” مرارا..لكنه لم يرد الاستسلام لا أمام ارتجال بوتفليقة الرئيس وجهله بالجزائر وأوضاعها ولا أمام حكومة الرئيس الموازية التي مثلها عدد من الوزراء فوق العادة و المبجلين من فخامته بمواقف وسلوكيات يندى لها الجبين. وفي مدار تلك “المعادلة المستحيلة”، اراد ابن بيتور أن يدخل أفكارا و آليات عمل جديدة في منظومة الحكم.

ومن بين هذه الاليات تأسيس” هيئة خبراء ومفكرين لدراسة واقع ومستقبل الجزائر 2020-2030″. وفي هذا السياق، طلب مني في جلسة عمل خاصة أن أساعده في تحديد قائمة من عشرين الى ثلاثين خبيرا وعالما يوكل إليهم مهمة انتاج الأفكار والخطط والسيناريوهات والبدائل (استراتيجيات شاملة وقطاعية وما يرافقها من آليات التنفيذ). فكرته هذه غفرت له عندي وبدأت في تحضير الكفاءات الجزائرية من الداخل وبين الشتات. وقد طلبت مهلة شهر كمرحلة أولى. وبالإضافة إلى ذلك، طرحت عليه فكرة فتح المجال، تشريعيا وعمليا، لإنشاء مراكز تفكير على الطريقة الانجلوساكسونية(Think Tanks) التي تصنع الخبرات والسياسات والمستقبلات. وجدت استعدادا كبيرا عند الرجل بل وأضاف الى اقتراحي فكرة ممتازة: أن تكون الحكومة بمختلف وزاراتها ومؤسساتها وهيآتها زبونا لدى مراكز التفكير تلك،المستقلة منها والخاصة.
و بالموازاة مع قائمة الأسماء العلمية الخبراتية التي طلبها مني بهدف تأسيس تلك الهيئة على مستوى ديوانه، طلب مني أيضا تقديم مشروع متكامل لتقنين وإطلاق ما اقترحته عليه.
بعد أقل من شهر، التقينا ليلا بحديقة المرحوم سي بشير بومعزة وأخبرني باستحالة العمل مع بوتفليقة وجماعته. وهنالك قال لي حرفيا( وقد كتبت ذلك من قبل) : “الحكومة في نظام بوتفليقة ليست منظومة مؤسساتية أو وظائف وصلاحيات يحددها الدستور إنما هي عبارة عن أشخاص يوالون أشخاصا آخرين في خدمة أشخاص يخدمون شخصا يرى في نفسه الزعيم وكل شيء”.

جمدت ما طلبه مني سي ابن بيتور..وبدأ ،بدوره هو، في مواجهات علنية وخفية حول قضايا حاسمة انتهت باستقالته.

وبكل صراحة وموضوعية، شتان بين أحمد الاول وأحمد الثاني..وشتان بين من يؤمن بالعلم والخبرة وتجارب العالمين وبين من يصبح مؤمنا ويمسي كافرا يتلوٌن كالحرباء تغطية على جهله ولاكفاءته وإرضاء “لمولاي سيدي وحبيبي” وولي نعمته على حساب الجزائر .

فضيل بوماله

شهادةبين ابن بيتور وأويحي .بقلم فضيل بومالهكلاهما يسمى أحمد..وكلاهما كان وزيرا ورئيس حكومة..لكنهما مختلفان جذريا. ال…

Posted by Fodil Boumala on Thursday, September 28, 2017

Share.

Leave A Reply