في الجزائر حديث لا ينتهي عن المادة 102 من الدستور التي تنص على تنحي الرئيس في حالة إصابته بالعجز عن أداء مسؤولياته.
تنص المادة صراحة على الآتي: «إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، وبعد أن يتثبّت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع. يُعلِن البرلمان، المنعقد بغرفتيه، ثبوت المانع بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلّف رئيس مجلس الأمة (الغرفة الثانية) بتولي رئاسة الدولة بالنيابة مدة أقصاها 45 يوما. وفي حالة استمرار المانع بعد انقضاء 45 يوما، يُعلَن الشغور بالاستقالة وجوبا».
نظريا، يبدو الرئيس عاجزا منذ أربع سنوات على الأقل. فهو لا يقف على رجليه، ولم يُسمع له صوت ولا يقدر إلا على أقل من الحد الأدنى من مهامه، إذا صدقنا صور التلفزيون الحكومي التي يُبذل جهد كبير في تركيبها قبل أن تخرج للناس.
لكن هناك فريقا يكابر منذ سنوات مدّعيا أن الرئيس «في أحسن حال ويمارس مهامه بصفة طبيعية» (في السر؟).
البلاد منقسمة اليوم إلى معسكرين يتقاتلان على صفحات الإعلام التقليدي ووسائل الإعلام الاجتماعي. معسكر يائس وفاقد الثقة يدعو الرئيس إلى التنحي، وآخر متناقض معه تماما يصر على أن الرئيس بخير. ولا يتورع هذا المعسكر عن اتهام دعاة تنحي الرئيس بالانقلابيين والفوضويين والمغامرين.
بين المعسكرَيْن توجد قيادة الجيش منحازة إلى الفئة الأولى، تحت غطاء احترام الدستور والولاء لمؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من أن لا أحد طلب من الجيش التدخل مباشرة لحسم موضوع الرئاسة، كان موقف قيادة هذه المؤسسة متشددا تجاه معسكر خصوم الرئيس. ورد ذلك على لسان قائد الأركان، الفريق أحمد قايد صالح، وعبر مجلة «الجيش» لسان حال المؤسسة العسكرية.
مصيبة الجزائر عموما، والعمل السياسي فيها خصوصا، غياب النموذج وانعدام القدوة: لا أحد يثق في أحد وكأن البلاد مصابة بتصحر. بدأ الحريق منذ فترة بعيدة عندما عمل النظام على «توسيخ» كل من يبدو فيه بصيص أمل ومصداقية، فردا كان أم مجموعة، إن باتهامات وطعن في الكفاءة وحتى الشرف وتشكيك في النية. ثم اكتمل الحريق مع وصول بوتفليقة إلى الرئاسة وإصراره على إقصاء كل من لا يقدم له عربون الطاعة العمياء، وكل من اختلف معه أو عنه، مهما كان الاختلاف بسيطا.
اذكر اسم أيّ فرد أو مجموعة أو كيان، فتنهال أمامك المواقف المشككة والطاعنة.. لا سياسيين ولا علماء ولا مثقفين ولا مفكرين ولا رجال دين ولا رجال مال وأعمال.. ولا أي شيء.
وسط هذا القحط يبرز الجيش كمؤسسة وحيدة منظمة وقادرة على بسط الانضباط وفرض الاحترام.
يستمد الجيش الجزائري هذه المكانة المعنوية من كونه «سليل جيش التحرير»، أي أنه استمرار لأولئك الذين قاتلوا الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن الماضي، إلى آخر قطرة دم. كما تنبع هذه المكانة من كونه جيشا قوامه أبناء كل فئات المجتمع الجزائري، وشارك في السبعينيات والثمانينيات في بناء البلد وإنجاز المشاريع التنموية والاقتصادية.
لكن الجانب المسكوت عنه مقابل هذه المكانة شبه المقدسة، أن الجيش هو اللاعب الوحيد في السياسة، يصنع الرؤساء ويقضي على مصيرهم، ويراقب، عن طريق أجهزته وأذرعه، عمل مؤسسات الدولة ورجالها. ظل هذا الدور حاضرا من وراء ستار، منذ استقلال البلاد في 1962، يعرفه الجميع ولا يجرؤ على إثارته أحد إلى غاية 1992 عندما قررت قيادته الضلوع في العمل السياسي بشكل صريح ومكشوف.
وبدل أن يكون مضرا كما هو المنطق، أدى ذلك التدخل القوي إلى إكساب الجيش مزيدا من الرصيد على حساب المدنيين والسياسيين، حتى بات في ذمتهم دين تجاه هذه المؤسسة لأنها «أنقذت البلاد من ظلامية الإسلاميين».
أقرّ السياسيون بهزيمتهم واستسلموا، وخلت الساحة للجيش الذي منحت قيادته لنفسها صفة الحَكَم وحق الارتفاع فوق الجميع. لهذا، وعند كل مأزق سياسي، تشرأب الأعناق نحو مبنى وزارة الدفاع عساها تأتي بالحل.
حتى كبار السياسيين والإعلاميين المعارضين، من كل الأطياف السياسية والعقائدية، يقرّون في كل ضائقة بأن الجيش هو الحل.
هذا الواقع يتنكر لحقيقة أن العالم تغيّر والجزائر كذلك، وأن طريقة «إنقاذ» الجزائر في 1992 لا يمكن أن تتكرر، وأن الجيش لا يجب أن يكون سببا في مشكلة سياسية ولا يمكن أن يكون جزءًا من حلولها. الطريق نحو حماية الجيش الجزائري هو وقف التساؤل عن دوره في السياسة لأن ذلك خطأ وتعبير عن قصور سياسي، وتوقف قيادة الجيش عن النظر إلى المجتمع وكأنه عاجز إلى الأبد.
مهمة الجيوش حماية الحدود والدفاع عن سلامتها. أي مطلب غير هذا، هو تحميل لهذه المؤسسة غير ما تتحمل وميل نحو شرعنة «العسكريتارية».

توفيق رباحي ٭ كاتب صحافي جزائري

http://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/picdata/2017/09/09-18/18qpt697.jpg

Share.

Leave A Reply