القائمة العليا

cv_271377362

عمّار بن عودة:خالد نزار كذاب وهو من سجن بلوصيف بأمر من فرنسا

كنت ضد الاعدامات في الثورة و عبان رمضان دفع ثمن أخطائه

أنا من اقترحت على بومدين الانقلاب على بن بلة بسبب عمالته للمصريين

خالد نزار كذاب وهو من سجن بلوصيف بأمر من فرنسا

حددنا موعدا مع عمّار بن عودة، البالغ من العمر 92 سنة، آخر عضو من مجموعة 21 التي فجّرت ثورة أول نوفمبر، أين استقبلنا في منزله بعنابة من دون «بروتوكولات»، فرغم ظروفه الصحية، إلا أنه بقي معنا ساعات طويلة بلا كلل أو ملل، وسرّ بوجود «النهار» التي يحترمها كثيرا ويتابعها كما قال لنا، فتح قلبه بصدق وكان من حين إلى آخر يبتسم ببراءة وتدمع عيناه وهو يتحدث عن زعماء الثورة ومراحلها.بدأ بتصحيح المعلومة التاريخية بالتأكيد، على أن عدد أفراد المجموعة المفجّرة للثورة كان 21 بدل 22، لأن صاحب المنزل، جزاه الله خيرا، «الياس دريش» لم يحضر الاجتماع، ولم يصادق على قراراته، فقد منحنا المنزل وغادر.

..22 ألف عسكري فرنسي جُنّدوا لإجهاض مؤتمر «الصومام»

كشف العقيد عمار بن عودة، بأن المؤتمر الذي انعقد في «ايفري» ببجاية (الصومام)، كانت فرنسا على علم به، وحاولت إجهاضه، من خلال تجنيد 22 ألف عسكري أحاطوا بالمنطقة، لكنهم لم يتمكنوا من بلوغ موقع لقاء قادة الثورة، نتيجة التنظيم المحكم والمخابراتية الدقيقة للمجاهدين، ويعترف بن عودة بوجود خلافات عميقة بين الحاضرين في مؤتمر «الصومام»، وأولهم بن عودة نفسه، الذي يقول إنه ناهض جماعة الولاية الثالثة، وعلى رأسهم كريم بلقاسم، الذي كان صديقا له في «الأوراس»، ومن بين ما اعترض عليه بن عودة، تخصيص أجور للجنود والقيادات منذ انطلاق الثورة إلى عام 1956، وتساءل -حسب وصفه – هل نحن نجاهد من أجل الوطن تطوعا أم نعمل بالمقابل؟، إلى درجة أنه قال كلمة هو نادم عليها مخاطبا الحضور «أنتم مرتزقة»، وهي الكلمة التي أثارت غضب الكثيرين، منهم عبان رمضان وكريم بلقاسم، وتأسف عمار بن عودة عن هذه الكلمة، وقال أدعو الله أن يسامحني على النطق بها، لكنني كنت صادقا في الطرح، والدليل أن قادة مؤتمر «الصومام» ألغوا أجور الجنود فيما بعد.وأضاف بن عودة، أن الخلاف تفجر أيضا بسبب طروحات عبان رمضان، الذي حاول فرض معادلة أولوية السياسيين على العسكريين وقادة الداخل على الخارج، فأجابه متسائلا: هل بن طوبال وبن مهيدي وبن عودة ليسوا سياسيين لأنهم عسكريون؟، بدليل شغل بن عودة مهمة جلب السلاح من الخارج، وهنا تدخل العربي بن مهيدي لفضّ الخلاف بمقولته الشهيرة: «إرموا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب»، وقد تم قبول طروحات عبان رمضان في النهاية، ووافق بن عودة على ذلك، باعتباره يمثّل الأقلية، ومعترفا أن ديمقراطية الثورة في صناعة القرارات كانت عاملا في نجاحها.وتساءل بن خدة في هذا السياق، كيف يمكن التكفل بكتيبة من تعداد 450 جندي من طرف الشعب الذي كان محدودا في معيشته؟، وهم الذين تعلموا كمناضلين في المنظمة السرية، أن يكونوا حملا خفيفا على الشعب، ويضيف «كنت معترضا أيضا على القائمة الإسمية لمجلس الثورة، وهو ما لم يهضمه عبان رمضان، وكيف يكون إسم عباس فرحات واردا وهو الذي يحوز على جواز سفر فرنسي؟».

عبان رمضان حوكم بتهمة إقامة اتصالات سريّة مع فرنسا

سألنا بن عودة عن ملف اغتيالات قيادات الثورة، أين أجاب بأنه كان ضدّ القتل مهما كانت المبررات والأسباب، وأنه في منطقته لم يقتل أحدا، ما عدا اثنين وفي ظروف استثنائية، الأول حاول الهرب بسلاح ناري فأمرت بضربه على رجليه، لكنه توفي فيما بعد، والثاني كان يريد السفر إلى عزابة في سكيكدة، لكننا رفضنا سفريته، فحاول الهرب فأصبناه وتوفي، وكنت أمرت جنودي بألّا يقتلوا أيّ شخص في غيابي مهما كانت الأسباب.وعن اغتيال عبان رمضان، صرح بن عودة أن هذا الأخير دفع ثمن أخطائه، فأقاموا له محاكمة بتهم متعددة، منها إقامته لاتصالات سريّة مع فرنسا باعتراف علي كافي، كما كان ينفرد بقرارات فردية، وقام بتحريض محمد الشريف من الولاية الثالثة، واعترف بن عودة بأن عبان رمضان أقام فعلا علاقات سريّة مع فرنسا تجهل دوافعها ومضمونها إلى حد الآن، إلا أنه قال بصريح العبارة، إن عبان رمضان رجل مخلص يحب الجزائر ووطني إلى حد النخاع، لكنها صرامة الثورة، ثم سألناه عن الإعدامات الأخرى، فابتسم وقال: «من هم على سبيل المثال؟»، فأجبناه مباشرة مثل عباس لغرور ولزهر شريط، فقال: نعم، لزهر شريط راح ضحية مؤامرة ولم يكن قد قرر فيه حكم الإعدام، لأنني كنت عضوا في المحكمة، وأصدرنا حينها حكما بالبراءة، لكن عبان رمضان أعاد محاكمته برئاسة قاسي وشيخون، وحكموا عليه بالإعدام وقتلوه، لأنه لم يعترف بمجلس الثورة ولم يوافق على قرارات مؤتمر «الصومام».

«الحركى» ليسوا كلهم ضدّ الجزائر وبورڤعة «بدا يخرف»!

لعمار بن عودة نظرة مخالفة لما هو متداول بالنسبة إلى ملف «الحركى»، حيث قال إنه حوّل العديد منهم إلى مجاهدين واستشهدوا ضد الاستعمار الفرنسي، الحركى لهم ظروفهم وإن كانوا ليسوا جميعا بهذه الصفة، وضرب مثالا عن ذلك بـ«عجول» الذي سلّم نفسه إلى الجيش الفرنسي، بعد أن تقرر إعدامه، ولو تمّ إعدامه لحدثت الكارثة بتمرد الأعراش الثلاثة في منطقة عنابة، «عجول وطني مثله مثل عبان رمضان، لأنه عندما أصبح حركي وسلّم نفسه إلى فرنسا لم يقتل أحدا من الجزائريين، بل حقن دماء الجزائريين، عجول أفضل من عباس فرحات»، وعن تصريحات بورقعة الأخيرة حول المجاهدين قال إنه «بدا يخرف».ويذكر عمار بن عودة، أن فكرة القاعدة الشرقية تعود إلى أول نوفمبر عند التحضير لتفجير الثورة، وكانت عبارة عن فوج، مصرحا:«أنا من قلت إلى عمارة بوقلاز أن يحضّر فوجا في القالة»، كان ذلك عندما كنا في «سمندو»، وكان في الفوج أعضاء منهم عرعار وسمسون وعلاوة محمد الرابي عمي موح، وقد ترأس الفوج الهادي عرعار، الذي خرج إلى تونس في مهمة وترك مسؤولية الفوج لعمارة بوقلاز، الذي أصبح يسيّر القاعدة الشرقية، وذكر أن أحمد محساس وأحمد بن بلة من قاما بتسميتها القاعدة الشرقية، التي لا توجد في هيكلة الجيش في مؤتمر «الصومام»، وأن كريم بلقاسم ولخضر بن طوبال، طالبا بحلّها، وهذا ما حدث بعد إعلان الحكومة الجزائرية المؤقتة.

الحكومة المؤقتة غير شرعية وكيف للفرنسي فرحات عباس أن يرأسها؟

اعتبر محدثنا أن إعلان الحكومة الجزائرية المؤقتة عام 1958 كان قرارا خاطئا، باعتبار أن الحكومة لم تبعث بطريقة شرعية وقانونية وبإرادة مسؤولي الثورة، الفكرة جاء بها عبد الحميد مهري من «طنجة» أثناء وجوده في المغرب، وهي فكرة المغاربة والتونسيين، وقد عارضت تأسيس الحكومة، وبعثت رسالة إلى كل من بن طوبال وكريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوالصوف، وشرحت فيها أسباب معارضتي، منها أن الفكرة لم يُشاور فيها أعضاء مجلس الثورة، ولم تتم مشاورة الإخوان في الداخل ولا قطاع الصحة العسكرية في جيش التحرير الوطني، وكيف لفرحات عباس أن يتولى رئاسة الحكومة وهو معروف بفرنسيته وجاهر بها في كتابه (أنا فرنسي)؟، موقفي كان يلزمني شخصيا في مجلس الثورة، ولم يكن ليؤيدني أي شخص آخر، أنا ضدّ التكتلات، وكنت سأقبل أي شخص يتولى رئاسة الحكومة المؤقتة ما عدا عباس فرحات، بدليل أن المصريين لم يعترفوا بهذه الحكومة، واعترف العراق كأول دولة بها، وكان المصريون يريدون أحمد بن بلة رئيسا لها بحكم علاقته بجمال عبد الناصر، والفرنسيون رفضوا عباس فرحات وقالوها صراحة:«نحن لا نفاوض الفرنسيين»، ويوسف بن خدة لم يكن رجل إجماع.

…عبد الناصر طالب بن بلة بتسليم أراضٍ لتونس والمغرب

أما عن انقلاب عام 1965، فيروي بن عودة بأنه صاحب الفكرة التي عرضها على العقيد هواري بومدين، وأسبابها يلخصها بن عودة أثناء شغله مهام الملحق العسكري بالقاهرة، وحضر عام 1965 اجتماعا برئاسة جمال عبد الناصر والرئيس التونسي بورڤيبة وملك المغرب الحسن الثاني، وطلب جمال عبد الناصر من بن بلة تسليم أراضٍ جزائرية إلى كل من المغرب وتونس وفق النظرة القومية، وكان عبد الناصر بحاجة إلى دعم البلدين على حساب الجزائر، وكان بالموازاة اجتماع الجامعة العربية لمناقشة المشاركة في بناء «سد طبرية» في مصر، ترأسه الملك السعودي فيصل، وسأل عبد الناصر بورڤيبة عن طبيعة مساهمة بلده، فأجاب:«عندنا الإسمنت»، ثم سأل بن بلة، فطأطأ رأسه وقال:«مساهمة الجزائر يحددها عبد الناصر»، حينها جاءتني فكرة قتل بن بلة، كيف للجزائر أن يتحكم في قرارها عبد الناصر؟، ولكن بن بلة شعر بالخطإ الجسيم وطلب من الرئيس المصري توقيف نشر مقالة محمد حسنين هيكل في «الأهرام»، التي تحدث فيها عن مضمون الاجتماع وقراراته، وفعلا تدخلت الرئاسة المصرية، وتمّ نزع المقال على الساعة الثانية صباحا.

بومدين كان ينوي المغادرة إلى ألمانيا فأخبرته أن هذه خيانة

عدت إلى الجزائر من القاهرة – يقول عمار بن عودة – وذهبت إلى منزل عبد العزيز بوتفليقة، وحكيت له ما دار في اجتماع القاهرة، وطلبت منه مقابلة بومدين، دخلت وزارة الدفاع وأوصلني بوتفليقة إلى مكتب العقيد بومدين، وتركني أدخل بمفردي، لأن بوتفليقة كان متخلقا ودبلوماسيا، دخلت على بومدين، فتفاجأت به يقول لي:«هذه حقيبتي، أنا راحل إلى ألمانيا وللأبد»، فأجبته على التو:«هذه خيانة، كيف تهرب وبن بلة يبيع الجزائر للمصريين وأنت من جاء به؟»، فبقي يحدق في، فقلت له:«أيها العقيد، الأمر بسيط، ضع الدبابات في الأماكن الاستراتيجية»، ثم خرجت من مكتبه، وبعد أيام قلائل، سمعت بالانقلاب العسكري وتنحية بن بلة.بن بلة كان يحلم بالنموذج المصري، كان يرى جمال عبد الناصر «الرجل الخارق»، بن بلة كان حكمه عسكريا وبومدين اتخذ القرار الصائب في حقه، ثم يتساءل من قتل شعباني؟، فيجيب:«بن بلة من قتل شعباني»، سألناه: «لماذا قتل بن بلة شعباني؟»، قال:«لأن شعباني كان ضد ضباط فرنسا، وقالها صراحة لا أريد عسكريا فرنسيا في الولاية السادسة، قتلوا شعباني وعيّنوا شابو في عنابة وزرڤيني بقسنطينة».

…نزار من أفسد اتفاق الشاذلي مع «الفيس» خدمة لفرنسا!

وفي حديثه عن الجنرال نزار، ازداد غضب عمار بن عودة الذي يقول عن نفسه:«منذ عام 1958 وأنا أحارب ضباط فرنسا وأخرجتهم من جيش التحرير الوطني، وديغول أعلنها صراحة، يا ضباط فرنسا، اذهبوا الآن إلى الجيش الجزائري نحتاجكم هناك، وضرب بذلك مثلا عن الجنرال خالد نزار، الذي قال له «أنت كذّاب، وهذه أول مرة أقولها له، نزار هو المسؤول عن سجن قائد الأركان مصطفى بلوصيف بإيعاز وأمر من قصر الإيليزيه، بلوصيف رجل شريف ونزيه ومجاهد ووطني وخدم الجزائر ولم يسرق فرنكا واحدا، مصطفى بلوصيف من رفض عبور الطائرات الفرنسية الأجواء الجزائرية، لكن نزار لفق له التهمة، وقد التقيته في منزله وقلت له بلوصيف نزيه لم يسرق، فأجابني بأننا عثرنا على الفواتير فقلت له: هل السارق يحتفظ بالفواتير؟، ثم كيف يقول نزار عن بلوصيف إنه جاهل؟، بل نزار هو الجاهل، فبلوصيف متحصل على بكالوريا رياضيات، أقول لك يا نزار أحشم على روحك، الظروف من جاءت بك، أنت لا وزن لك، كما أن نزار هو من يتحمّل مسؤولية إجهاض الاتفاق المبرم بين الرئيس الشاذلي وقادة الفيس حول عدم مشاركتهم في الدور الثاني لطمأنة الرأي العام الداخلي والدولي، لكن نزار أجهضه خدمة لفرنسا، التي رفضت برلمانا إسلاميا وأدخل الجزائر في العشرية السوداء بآلاف الضحايا من الجزائريين، إنه يخدم أجندات فرنسية منذ أن كان عضوا في المجلس الأعلى للدولة».

«بوتفليقة راجل ونص.. ضحى بصحته من أجل الجزائر»

ثمّن العقيد بن عودة دور رؤساء الجزائر في حماية البلد والدفاع عن سيادته كل حسب جهده، فالشاذلي أنقذ الجزائر من حرب أهلية كانت وشيكة لولا تدخل الكذّاب خالد نزار، وزروال بذل جهدا كبيرا خلال العشرية السوداء، وأخرج الجزائر من تحت الأرض، يوم رفض مقابلة الرئيس الفرنسي «شيراك»، وبوتفليقة خدم البلاد وضحى بصحته من أجلها، رفع الحصار عن الجزائر ومسح ديونها، «بوتفليقة راجل ونص وهو جزائري أصيل، ترك في صغره المدرسة وصعد إلى الجبل مع المجاهدين، بوتفليقة من نزع الديكتاتوريات في العالم عندما كان على رأس الدبلوماسية الجزائرية في البرتغال وإسبانيا، وساهم في تحرير بلدان القارة الإفريقية، وأدخل عرفات الجمعية العامة للأمم المتحدة».هذا وعندما أوشكنا على مغادرة منزل العقيد عمار بن عودة وهو بكرسيه المتحرك أمام الباب، ودعناه على أمل اللقاء به مجددا في نوفمبر القادم، فابتسم وقال:«إن شاء الله»، لكن هذه رسالتي إلى الشباب الجزائري، «جيلنا أدى ما عليه، حررنا البلد بالدم والسلاح والنار والدموع وأنتم حافظوا على استقلالها بالعلم والتكنولوجيا وبالتآخي والتضامن، أحبوا بلدكم وكفوا عن شتم المسؤولين وإحياء بذور الفتنة بين الجزائريين واستفيدوا من دروس نوفمبر وأصلحوا قطاع التربية، فهو القطاع الحساس والمستقبلي، وذلك بالتركيز على مضمون الكتب المدرسية».

المصدر: جريدة النهار

لا توجد تعليقات بعد.

اترك تعليقاً