هذا المقال نشرته جريدة الحياة بتاريخ 13 نوفمبر 1995 بعنوان:
نشرة “الأنصار” السرية : فلسطيني وسوري للعقيدة وجزائريون للأمن

(لمطالعة الأعداد المتوفرة على الإنترنت من مطبوعة الأنصار الرجاء معاينة أسفل المقال)

تستهل نشرة “الانصار” التي تطبع وتوزع في لندن وعواصم اوروبية اخرى افتتاحية عددها الرقم 107 27 تموز – يوليو 1995 بالقول ان “الدعوة.. هي ان نهشم رأس مرتد.. ونقطع لسان منافق.. ونبتر اصبع كاتب علماني..” وهي لا تشذ في ذلك عما دأبت على ترديده في اعدادها الـپ124 الصادرة حتى اليوم والمتضمنة تبنياً لعمليات توصف بأنها عنف وارهاب داخل الجزائر وخارجها.

فما هي هذه النشرة؟

تصدر نشرة “الانصار” عن دار تسمى “دار الانصار للنشر”. وهي تحمل، حتى في النشرات الموزعة في لندن، عنوانا واحداً للمراسلات في السويد، هو:

M.A, BOX: 30278 13603 HANINGE, SWEDEN.

لكن المعلومات المتوافرة عنها تفيد انها تطبع في مطبعة في غرب العاصمة البريطانية، وينقلها موزعون تابعون لدار الانصار الى عدد من مساجد لندن، حيث توزع مجاناً بعد صلاة الجمعة كل اسبوع. غير ان الموزعين يفضلون عدم اعطاء تفاصيل عن طريقة الحصول على الاعداد، ويكتفون بالقول انهم “وجدوها في صندوق على باب المسجد”.

وتفيد المعلومات المتوافرة عن هذه النشرة انها كانت تصدر في البدء من بيشاور باكستان التي كانت في الثمانينات قاعدة لجماعات المجاهدين العرب الذين حاربوا ضد الاحتلال السوفياتي لافغانستان. وبعد انتهاء الجهاد وتحوّل اطرافه الى الصراع في ما بينهم على السلطة، تفرق المجاهدون العرب، او “الافغان العرب”، فعاد قسم منهم الى بلاده – كما فعل كثير من الجزائريين – فيما فضّل قسم آخر الانتقال الى دول عربية. وحط آخرون “ممن ضاقت بهم السبل” رحالهم في “الغرب الكافر” الذي يعتبرونه “افضل الشرور”.

ولا يبدو ان العيش في المجتمع “الكافر” غيّر شيئاً في “الضيوف” الجدد. اذ بقي هؤلاء يتصرفون كما لو كانوا لا يزالون في بيشاور. ولعل الشيء الوحيد الذي افتقدوه هو الخيم التي كانوا ينصبونها في اطراف تلك المدينة الباكستانية. وباشر القادمون الجدد الى عاصمة الضباب نشاطهم الدعوي عبر مساجدها. واختلطوا، خصوصاً بمناصري الجبهة الاسلامية للانقاذ الذين كانوا ينشطون لنيل دعم الجمعيات الاسلامية في سعيهم الى استعادة ما يرونه استلاباً لحق “الانقاذ” التي فازت في الانتخابات التشريعية التعددية العام 1991. لكن سرعان ما دبّت الخلافات بين الطرفين، اذ باشر “افغان لندن” توجيه انتقادات الى مناصري “الانقاذ” بدعوى ارتكابهم “مخالفات شرعية” في النشرات التي يصدرونها. ومن تلك “المخالفات” نشر الصور في تلك النشرات وهو امر رفضه منتقدو “الانقاذ” باعتباره “بدعة”. ولم تقتصر تلك الانتقادات على بعض الشباب الجزائري، بل شملت عرباً من جنسيات مختلفة، يجمعها الانتماء الى “الفكر الجهادي” الذي تبلور خصوصاً في التجربة الافغانية.

ومع تصاعد نشاط الجماعة الاسلامية المسلحة داخل الجزائر بدأ الفرز يظهر بوضوح داخل اوساط الجالية الجزائرية في بريطانيا. وزاد الطين بلة اعلان الجماعة انضمام الجبهة الاسلامية للانقاذ اليها ربيع 1994 عندما وقّع الشيخ عبدالرزاق رجام باسم الانقاذ بيان الوحدة تحت امارة ابو عبدالله احمد. وأدى ذلك الى انقسام بين الاسلاميين الجزائريين. اذ فضل معظم انصار الانقاذ البقاء اوفياء لقيادة الجبهة المعتقلة، وعلى رأسها الشيخان عباسي مدني وعلي بلحاج، فيما تحول آخرون الى تأييد “الجماعة”. وحصلت مشادات بين الطرفين تحولت احياناً عراكاً في مساجد لندن اضطرت الشرطة الى التدخل لفضه.

خلاف على جمع الأموال

ولم يقتصر الخلاف بين الطرفين على المسائل النظرية، كقضية نشر الصور وهل يسمح بها الاسلام أم لا، بل شمل اموراً اخرى على رأسها قضية جمع الاموال لدعم الجهاد في الجزائر. وتعتقد الحكومة الجزائرية بأن معارضيها يجمعون الاموال في المساجد البريطانية ويحولونها الى اطراف تتولى شراء اسلحة وتهريبها الى الجزائر. ولم يستطع مناصرو الجماعة منع الانقاذيين من جمع الاموال في لندن باسم الجهاد الجزائري، على رغم تحذيرات متكررة كانت ترد في نشرة الانصار وتهدد بقتل كل من يجمع اموالاً للجزائر من دون ان يحصل على اذن خطي من قيادة الجماعة في الداخل.

ويحرص العاملون على اصدار “الانصار” في لندن على عدم الظهور اعلامياً. ولعل السبب ان معظمهم من اللاجئين السياسيين في هذا البلد، ويخشون بالتالي ان تدفع تصرفاتهم الحكومة البريطانية الى طردهم. لكن الانصاريين يفضلون التعلل بأسباب اخرى لتحاشيهم الاعلام، منها ان وسائل الاعلام “كافرة”، او “علمانية”، او “نصرانية حاقدة”.

وعلى رغم تحاشي جماعة الانصار التحدث الى وسائل الاعلام، فان الواضح انها تسعى الى جذب انتباه هذه الوسائل عبر اعتمادها لغة متشددة جداً في حديثها عن العمليات العسكرية في الجزائر. ومن ابرز الامثلة على ذلك اعلان النشرة تبني “الجماعة المسلحة” عمليات قتل الراهبات والرهبان والصحافيين والنساء والاطفال من اهالي موظفي الدولة، وتفجير السيارات في الاحياء الشعبية، وسرقة البنوك، وغيرها من العمليات التي دأبت جبهة الانقاذ على اعلان تبرؤها منها.

وتنقسم النشرة التي تتألف من 16 صفحة الى اقسام عدة، منها ابواب ثابتة كالافتتاحية كلمة الانصار، وهي لا تحمل توقيعاً، وبابا “من صميم المنهج” للشيخ ابو قتادة الفلسطيني واسمه الحقيقي عثمان عمر محمود، و”من معين الفكر الجهادي” للشيخ ابو مصعب السوري. وتتضمن اخباراً عن الاوضاع في الجزائر، وعمليات “الجماعة المسلحة”. وقد لجأت منذ فترة في تغطية معارك الجزائر الى اعادة نشر دورية “القتال” التي تصدرها “الجماعة” الاسلامية المسلحة داخل الجزائر.

ويبدو واضحاً من هذا التقسيم ان الجزائريين يشرفون على “الجانب الامني” من النشرة، فيما يتولى الشيخان الفلسطيني والسوري موضوع العقيدة وشرح المبادئ الاسلامية حسب مفهوم “التيار الجهادي”. وثمة من يقول ان الشيخين هما جزء من القيادة الخارجية لـپ”الجماعة المسلحة”، وان معظم افكار هذه الجماعة تظهر، بشكل او آخر، في كتابات الشيخين وخطاباتهما المسجلة يمكن الحصول عليها في لندن ايضاً. لكن الشيخين ينفيان اي علاقة عضوية بالجماعة، ويلفتان الى انتمائهما غير الجزائري ويتمسكان بأن ما يجمعهما مع فكر الجماعة هو الانتماء الى تيار الجهاد.

نهار الجمعة في لندن

غير ان كثيرين يشككون في صحة النفي. ويقولون ان علاقة الشيخين بقادة الجماعة تعود الى ايام الجهاد في افغانستان، وانها مستمرة حتى اليوم عبر توجيهاتهما الى اتباع الجماعة داخل الجزائر. واللافت ان “ابو مصعب السوري”، واسمه عمر عبدالحكيم، خصص مقالاته طوال هذه السنة لموضوع واحد تقريباً، وهو نقد فكر الجبهة الاسلامية وقبولها – حسب رأيه – “الديموقراطية … والتعايش مع الردة”. ويفيد بعض المعلومات ان الشيخ السوري المعروف بخطبه النارية ضد الجبهة الاسلامية للانقاذ وقادتها، انتقل قبل اشهر من اسبانيا للاقامة في بريطانيا. وتضيف هذه المعلومات انه حصل على الجنسية الاسبانية. اما الشيخ ابو قتادة فيقال انه قدم الى لندن بعد حرب الخليج التي اتخذ أثناءها موقفاً معارضاً للعراق. وفي المعلومات ايضاً ان الشيخ لذي كان يقيم في الاردن اثار بموقفه المعارض للعراق الرأي العام الاردني الذي كان مؤيداً بوجه عام لبغداد. واثر ذلك اعتقلته السلطات الاردنية. وينقل عنه زواره انه اقام في بيشاور فترة، غير انه لم يشترك في القتال داخل افغانستان بسبب انتهاء الجهاد وانتقال المجاهدين الى القتال في ما بينهم. وحطّ به المطاف اخيراً في لندن حيث قدم طلباً للجوء السياسي. وهو يخطب نهار الجمعة في مركز رياضي يتحول مصلّى في وسط لندن.

ولا يعرف شيء يذكر عن الجزائريين الذين يشرفون على نشرة “الانصار” في لندن. لكن ابرزهم يُكنى “ابو فارس”، واسمه الحقيقي رشيد الرمرة 26 عاماً. وقد اعتقلته السلطات البريطانية قبل ايام بعد تسريب معلومات الى الصحافة الفرنسية تفيد ان الامن الفرنسي سجل له مكالمة مع الجزائري بوعلام بن سعيد. وتعتقد السلطات الفرنسية ان ابو فارس يصدر اوامر التفجيرات في فرنسا من مقره في لندن.

ويعد مجيء ابرز القضاة الفرنسيين في مكافحة الارهاب، جان لوي بروغيير، الى لندن للتحقيق شخصياً مع ابو فارس دليلاً الى مدى اهتمام باريس بالدور المزعوم لهذا الجزائري في ادارة الشبكات السرية داخل فرنسا. ويبدو ان لندن اقتنعت بأدلة باريس ووجهت الى ابو فارس تهمة التآمر لإحداث تفجيرات في فرنسا.

وتفيد المعلومات المتوافرة عن ابو فارس، وهو من “الافغان العرب”، انه فر الى لندن اواخر العام 1992 وطلب اللجوء السياسي. وثمة من يربط شخصاً آخر يدعى عبدالقادر بنويس بنشرة “الأنصار”. لكن مصادر اخرى تستبعد ذلك حالياً وتقول انه ربما كانت له علاقة بالنشرة قبل سنة تقريباً وهي توقفت حالياً. وفرّ بنويس الى لندن بعد تفجير مطار هواري بومدين في العاصمة الجزائرية في آب اغسطس 1992 ما أدى الى سقوط تسعة قتلى واكثر من مئة جريح. واصدرت محكمة جزائرية حكماً غيابياً عليه بالاعدام بعدما دانته في تفجير القنبلة. ورفضت لندن طلبه اللجوء السياسي، لكنها وافقت على بقائه على اراضيها ريثما يفصل في استئنافه ضد رفض طلبه. وكان مقرراً الفصل في الاستئناف قبل انتهاء هذه السنة. ويقيم ابو فارس في منطقة هامرسميث غرب لندن.

وتربط التقارير المتاحة منذ بدء الشرطة البريطانية حملتها على الاسلاميين الجزائريين قبل نحو اسبوع، بين الانصار وشاب جزائري آخر يدعى فاروق دنيش، وهو شقيق عبدالكريم دنيش الذي ذُكر ان عنوان نشرة الانصار في السويد هو عنوان منزله. وفشلت فرنسا في اقناع السويد بأن تسلمها عبدالكريم للاشتباه في مشاركته في انفجارات باريس. ويقول اشخاص يعرفون فاروق انه هادئ، ويستبعدون اي علاقة له بالتفجيرات في فرنسا أو بنشرة “الأنصار”. ويذكر ان الامن البريطاني اطلق فاروق في قضية التحقيق في التفجيرات، لكنه سارع الى اعتقاله مجدداً للتحقيق في امكان مخالفته قوانين اللجوء والهجرة السارية في بريطانيا. وتقول مصادر اسلامية لـپ”الوسط” ان المشرف الجزائري على “الأنصار” هو عبدالكريم دنيش ويعمل من السويد، لكن لا علاقة لأخيه فاروق بالنشرة حالياً.

وتقول مصادر جزائرية ان شباناً جزائريين، بينهم حملة شهادات جامعية، يعملون تطوعاً في “الانصار” بطريقة او اخرى من خلال جمع معلومات من داخل الجزائر او خارجها، او عبر تحرير مواد النشرة وتوزيعها. ويفضل هؤلاء البقاء بعيداً عن الاضواء.

ترجمة أمنية

وتفيد معلومات ان جهات امنية عربية كانت تتولى بانتظام ترجمة “الانصار” الى الانكليزية وتقديمها الى الامن البريطاني لاثبات اللغة التحريضية التي تكتب بها موادها، والطلب من لندن المساعدة في كبح الجماعات المتطرفة. لكن السلطات البريطانية لم تتخذ اي اجراء ضد النشرة، معتبرة ان ما يرد فيها لا يخرج عن نطاق حرية الرأي المسموح بها، والتي لا تصل الى حد تكوين عصابات اجرامية. وأثار هذا الموقف حفيظة الجزائر وباريس. وانتقدت الاخيرة علناً سياسة جارتها واعتبرت انها تُسهل نشاط الجماعات المتطرفة.

وعلى رغم عدم قيام شرطة اسكوتلنديارد وجهاز الاستخبارات الداخلية إم.آي.5 بأي خطوة او اعتقالات ضد مؤيدي الجماعة الاسلامية الجزائرية الذين يتولون اصدار نشرة الانصار، فانه تمت الاستعاضة عن ذلك بوضع الناشطين الجزائريين تحت رقابة امنية مشددة، بالتعاون مع الاستخبارات الفرنسية. وتقول معلومات ان جماعات اسلامية تعارض نهج الانصار المتشدد ساعدت السلطات البريطانية في تقديم معلومات عن ناشطي الجماعة الاسلامية الجزائرية في بريطانيا.

هل تعني الاعتقالات الاخيرة في بريطانيا بداية الحملة على الانصار التي هي واجهة لمؤيدي “الجماعة المسلحة” في لندن؟

الجواب يتوقف على مدى قوة الادلة التي تقدمها فرنسا ضد ابو فارس. لكن سابقة الفشل في قضية طلب تسليم عبدالكريم دنيش من السويد لا تبشر بالخير… على الاقل لفرنسا.

daharchives.alhayat.com/issue_archive/Wasat%20magazine/1995/11/13/نشرة-الأنصار-السرية-فلسطيني-وسوري-للعقيدة-وجزائريون-للأمن.html

لمطالعة الأعداد المتوفرة من مجلة الأنصار الرجاء زيارة هذا الرابط:

https://archive.org/details/ansar_masg

http://justpaste.it/my42
هي سلسلة من أعداد مجلة (الأنصار) ولأول مرة تُنشر على الأنترنيت، وهي ترؤخ لفترة الجهاد في الجزائر، فرأيت أن من الفائدة إعادة نشر هذه الأعداد الغير منشورة أصلًا، أولًا: لرصد كيفية تغلغل الغلو وكيف أصبح هو المنهج السائد مع الوقت في المجلة .. وماهي الموضوعات والقواسم المشتركة بين غلاة الجيا وغلاة هذا الزمن، وكيف ممكن نستفيد من أعداد هذه المجلة لمعاجلة ظاهرة الغلو في الساحات، وسوف نُحدث هذا الرابط بشكل دوري كلما وصلنا عدد جديد لنوفر ونتيح الباب أمام الباحث والراصد لكي يحلل ويقيم ويستفيد من تجارب الماضي في تجنب أخطاء الحاضر أو المستقبل.

Share.

Leave A Reply