آنذاك، تجرأ عمار سعداني على الجهر بالمحظور، الذي لم يتعود عليه أحد أو أن الذين كانوا يريدون البوح به، كانت تنقصهم الشجاعة، حتى جاء تصريح سعداني المدوي، الذي ارتجفت له القلوب. حينها تداعى فلان وعلان وانبرى الكثير للدفاع باستماتة عن المؤسسة العسكرية وعن الفريق توفيق تحديدا، حتى أن أحدهم لم تكن له الشجاعة في ذكر اسمه، وبدا واضحا من تلك المرافعة التي قام بها ذلك »المجهول« أنه يريد، هو وغبره، أن يتزلف ويتقرب أكثر.
بالتأكيد فإن تلك النخوة التي أبداها هؤلاء، إلى حد التهجم الصريح على قيادة حزب شرعي، ليست ذات قيمة، إلا أن الغريب هو تلك الصورة التي يراد تسويقها للرأي العام في الداخل والخارج لمؤسسة الجيش ودائرة الاستعلامات والأمن ورئيسها آنذاك الفريق توفيق. إننا ندرك أنه ليس أسهل من كتابة البيانات، خصوصا تلك التي تكرر محفوظات من القرون الغابرة.
أما الصعوبة الحقيقية فهي تكمن في اتخاذ موقف يقوم على تقدير المفيد وغير المفيد، ذلك أن البيانات التي صدرت والمقالات التي دبجت، آنذاك، تعطي انطباعا وكأن الفريق توفيق بحاجة إلى تلك البكائيات الرخيصة أو أن تصريحات عمار سعداني قد جعلته يستغيث بأولئك الذين أصيبوا بالذعر وبتلك المقالات الذميمة التي تنم عن انحطاط جزء كبير من صحافتنا، تلك الصحافة البائسة والتعيسة التي هبت لنجدة الفريق وحمايته من قنابل سعداني المدمرة. آنذاك، حملت الصفحات الأولى لأكثر من صحيفة عناوين مثيرة، تبدو وكأنها تحيي الأساطير التي لا تحدث إلا في الخيال، إلى درجة أننا شعرنا وأن الفريق توفيق ينتمي إلى الملائكة وأن الاقتراب منه بالحديث أو النقد أو حتى التلميح يفضي إلى نار جهنم وبئس المصير وأن كل من يتجرأ على ذلك هو شيطان أثيم يستحق اللعنة والتكفير. ذلك هو حال تلك الأقلام التي تتظاهر بأنها حامية الديمقراطية وراعية العصرنة والحداثة في بلادنا، إلى درجة أنها صدعت رؤوسنا بتلك الشعارات، إلا أنها ترفض على الآخرين أن يفكروا وأن يعبروا عن آرائهم وما يرونه صوابا، وقد كان الأمر يقتضي فتح نقاش جدي ومحاولة تنوير الرأي العام، من خلال إبراز الرأي والرأي الآخر، دون تحيز مفضوح أو إدانة طرف على حساب آخر. آنذاك، التزمت عديد الصحف صمت القبور.
إذ لم تشر بتاتا إلى تصريح عمار سعداني، خوفا منها لما تضمنه ذلك التصريح، وكأن الفريق توفيق قد كلفها بذلك أو أبلغها بأن النشر قد يؤذيه أو ينال من سمعته، في حين راحت صحف وأحزاب تضطلع بمهمة المحامي المتطوع دون توكيل، وكأن الفريق في وضعية عجز فأشفق عليه المشفقون وفاعلو الخير والمحسنون.
وإذا كان سعداني، قد قال ما قال من كلام، كان الكثير يتمنون لو أنهم كانوا أصحابه، إلا أن المفيد فيه هو كشف المستور وفضح الاحترافية المزعومة وإزاحة الستار عن المشهد. أما كشف المستور، فيتعلق بأولئك الذين ما فتئوا يتمسحون بالأعتاب ويصبحون ويمسون على التسبيح بحمد هذا وذاك، فإذا وجوههم مكشوفة بعد أن سقطت أوراق التوت عنهم. أما فضح الاحترافية، فيتعلق بتلك المعالجات الإعلامية الفجة التي اعتمدتها كثير من الصحف، مما يؤشر إلى قتل معنوي للاحترافية ولحرية التعبير بمفهومها الحقيقي وليس المزيف. أما رفع الستار، فيتعلق بما تضمنه تصريح عمار سعداني من وجهة نظر، ودون الخوض في التفاصيل، فإن ذلك التصريح قد قدم خدمة جليلة لممارسة الديمقراطية في بلادنا ولمفهوم الدولة العصرية.
أولا: إن الفريق توفيق يستحق الاحترام لجهاده ونظافة يده وللمسؤولية السامية والحساسة التي اضطلع بها، إلا أن تلك المسؤولية تجعل منه شخصية عمومية، معرضة للنقد والمساءلة، شأنها شأن كل المسؤولين في الدولة، بما في ذلك رئيس الجمهورية، وهنا لماذا لم نسمع ولو نصف كلمة في حق الرئيس الذي يتعرض يوميا في تلك الصحافة إلى التجريح، مع أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة! ثانيا: إن الممارسة الديمقراطية في بلادنا قد تلقت جرعة إضافية، ولنا أن نقول أن تصريح عمار سعداني كان بمثابة الحجرة التي تلقى في البركة الراكدة، سواء كانت تلك الحجرة من طين أو من صلصال، ثم أنه قد أعاد إلى الأذهان التذكير بتلك البديهية التي تقول بأننا كلنا بشر نخطئ ونصيب وأنه ليس هناك من هو معصوم أو مقدس، ولو كان في مكانة ومسؤولية الفريق توفيق. أيضا وهذا هو المهم، هل نريد بناء مجتمع الأحرار الذين يملكون حق النطق أم المطلوب هو بناء مجتمع العبيد الذين، لا رأي لهم ولا صوت. ثالثا: إن الدولة العصرية هي نقيض الأنظمة الشمولية ذات الأحزاب الواحدة، والزعيم الأوحد ورئيس المخابرات الأسطورة الذي لا تعرف له صورة ولا يراه الناس ولا يسمعون إلا باسمه مقرونا بهيبة مخيفة !
لقد اعتبرت بعض القراءات تصريح عمار سعداني، بأنه يعطي انطباعا يوحي بانفلات الأوضاع في بلادنا وهو ما ينال من حجمها وهيبة مؤسساتها، إذا كان ذلك صحيحا، فإنه لا ينبغي حجب حقائق أخرى، أولها يتمثل في طرح السؤال التالي: هل مديرية الاستعلامات والأمن تمثل السلطة في البلاد وهل هي المؤسسة العسكرية، ثانيها يحيل على حقيقة أخرى هي أن هناك رئيسا للجمهورية وهو القاضي الأول في البلاد، يضمن له الدستور كل الحقوق في التعيين وفي إنهاء المهام. آنذاك، تبارى المتبارون في الدفاع عن الفريق توفيق وتهافت الشياتون والمداحون، إلا أن الحقيقة التي تبقى واضحة ولن تنال منها تلك البكائيات، هي أن عمار سعداني لم يستهدف المؤسسة العسكرية لا بالتدمير ولا بالتفجير، لأن حزب جبهة التحرير الوطني، بأمينه العام وبكل إطاراته ومناضليه، لن يقبل بأن يصاب جيشنا الوطني سليل جيش الحرير بأي أذى أو انقسام أو ضعف. إن الجيش الجزائري أقوى وأكبر من أن يفجره مقال أو تصريح في صحيفة أو بيان صادر عن حزب سياسي أو إنهاء مهام ضابط كبير، حتى لو كان بحجم الفريق توفيق. الآن، وقد طويت صفحة مرحلة دامت 25 سنة، لأن سنة الحياة وتجارب التاريخ تقضيان بأن المناصب مهما طالت لن تدوم، إلا أن الحقبقة الثابتة هي أنه ليس هناك حرب لا ساخنة ولا باردة على مستوى السلطة وأن هناك رئيسا واحدا للجمهورية يقود الجزائر.
http://www.sawt-alahrar.net/ara/permalink/25711.html

Share.

Leave A Reply