منذ أسبوع تقريبا بدأت تتجلّى إرهاصات ما يمكن نعته بالتغيير الجذري الذي ستشهده الجزائر قريبا، على شتّى المستويات، والمجالات، وبخاصة منها المجال الإقتصادي، الذي أصبح يشكل المادة الأساس في النقاشات الدائرة في مختلف الدوائر، سواء كانت موالية للسلطة أو المُعارضة، فالكل بات يدعو إلى تنويع الإقتصاد الجزائري، وتخليصه من هيمنة قطاع المحروقات عليه، فنهار اليوم 20 سبتمبر أقرّ الوزير الأول عبد المالك سلال بأن الجزائر خسرت حوالي 35 مليار دولار هذا العام بسبب انهيار أسعار النفط، وكشف سلال خلال افتتاح أشغال ندوة نظمها المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي يوم 20 سبتمبر، حول “الرهانات التي تواجه الاقتصاد الوطني” أن “الظرف الاقتصادي الراهن الذي يُعدّ صعبا يُتيح مع ذلك، فرصة جيدة لمراجعة النفس واتخاذ قرارات جريئة لبلورة رؤية اقتصادية جديدة، وتغيير أنماط التسيير والضبط على اعتبار المنشآت القاعدية والقدرات البشرية العالية التي تتوفر عليها بلادنا”.
تصريحات عبد المالك سلال تضع الأصبع على الجرح، لأنّنا ومنذ انطلاق الحديث عن سياسة الإصلاحات سنة 1988، وإلى يومنا هذا، لم نلحظ أي تغيير جوهري على منظومتنا السياسية والإقتصادية على وجه الخصوص، وكلّ مشاريع الإصلاح التي تغنّت بها الحكومات المُتعاقبة، كانت تُقبر في “العلبة السوداء”، لتتواصل بذلك نفس السياسات التي تضمن مصالح اللوبيات، وجماعات المافيا، على حساب الجزائر وشعبها، فالمستفيدون من حالة الفوضى السياسية والإقتصادية وحتى الأمنية، كانوا يعملون دائما على جعل الجزائر بلدا غير واضح الرّؤى والتوجهات، بهدف ترهيب المستثمرين –مهما كانت جنسيتهم- من القدوم إلى الجزائر، هذه الأخيرة التي باتت تستورد حتى “رقائق البطاطس” “الشيبس” والعجائن وحتى الفواكه والخضر، وكلّ ذلك لاستنزاف خيرات وثروات البلاد، وتهريبها إلى الخارج، حيث يتمّ صرفها على شكل عقارات “فيلات وقصور”… لضمان ملجأ آمن في حال -لا قدّر الله- اختلطت الأمور في البلاد، وسياسة هؤلاء ليست وليدة السنوات القليلة الماضية، بل إنها تضرب بجذورها إلى فجر الإستقلال، وللأسف الشديد، أن غالبية المسؤولين الكبار الذين تولوا مهام حساسة للغاية، لم تكن لهم الشجاعة لكشف ما يحدث، لأن ذلك يعني ببساطة انتحارا سياسيا لهم، وهنا أذكّر بانتفاضة أكتوبر 1988 المُفتعلة، التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الزيت والسكر، فهذه الإنتفاضة التي ذهب ضحيتها العديد من الأبرياء، وعوض أن تشكل منعرجا حاسما في حياة الجزائريين نحو الأفضل، شكّلت برأيي بداية تنفيذ سياسة نهب أكبر بكثير ممّا عايشناه قبل 1988، وبعد مرور حوالي 11 سنة على هذه الأحداث، وما تبعها من مسلسل دموي إبان تسعينيات القرن الماضي، كان مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى سدّة الحكم، فورث مُرغما، إرثا كبيرا من الأزمات السياسية والأمنية والإقتصادية، بل وجد نفسه أمام منظومة حكم ترفض حتى شعوب القرون الوسطى إتباعها، وبحكم تجربته، وحنكته السياسية والدبلوماسية، لخّص أزمة البلاد في كونها “تفتقد لرجالات دولة”، وأمضى ثلاث عهدات من حكمه، وهو يُحاول فكّ عُقد وتعقيدات هذا النظام، والبحث عن “شِفرة” العلبة السوداء، التي تتحكّم حتى في أصغر وأفقر بلدية في الجزائر، وبطبيعة الحال، فإن مهمة كهذه ليست بالسهلة، ولا تكفي حتّى عشرات السنين للقيام بها، لكن الرئيس بُوتفليقة وبرغم صعوبة المهمة وخُطورتها، قبل الرّهان، لكنه لم يُمارس سياسة الإندفاع، وفضّل انتظار لحظة الكشف عن المتحكّمين في العلبة السوداء، من داخل وخارج الجزائر، وتعريتهم أمام الرّأي العام الوطني والدولي، ومهمة كهذه تتطلب بالإضافة إلى الجرأة الكبيرة، قدرة أكبر على التحملّ والصبر، لأنّنا رأينا كم مرّة حرّك فيها المتحكّمون في “العلبة السوداء” أدواتهم في الداخل والخارج، للتشويش على بوتفليقة، بل وحتّى تشويه سُمعته والإدعاء بالباطل على رصيده الثوري الكبير، واليوم ومع إنطلاق الرئيس بوتفليقة في التنفيذ الفعلي والمُباشر لبرنامجه الإصلاحي الذي وعد به الشعب خلال عهدته الرئاسية الأولى، نرى أن جماعة “العلبة السوداء”، قد أُصيبوا بحالة من الهستيريا إن لم أقل بأعراض “داء الكلب”، حيث انطلقوا في “عضّ” كلّ من يُحاول مُواجهتهم، ويروّجون لما إدّعوا أنه “انفجار كبير” ستشهده الجزائر قريبا، لكن الرئيس بوتفليقة الذي تحمّل النصيب الأكبر من هجمات هؤلاء، فضّل مُواصلة السير بصمت، وهدوء، لأنّ هاتين الميزتين تُضاعف أعراض الهستيريا لدى هؤلاء، ومُجرّد الإلتفات لهم ولصُراخهم قد يُعطّل مسار الإصلاح الثوري الذي سيُفجّر “العلبة السوداء” بأكملها، وينقل البلاد إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة الإنفتاح على العالم، في ظلّ سيادة سياسة تُقنع الجميع بأن الجزائر بدأت تتعامل في الداخل ومع شركائها في الخارج في إطار الشفافية ووضوح الرّؤى، وهو ما بدأنا نستشف تداعياته من خلال تصريحات كبار المسؤولين في الإتحاد الأوروبي، الذين بدأوا يفكرون في إقامة شراكة بنّاءة وجدّية مع الجزائر، تتجاوز الحواجز التقليدية، المتمثلة في ملفات حقوق الإنسان والأمن فقط، والحدث الذي جعلني أتأكد بقوة أنّ هنالك تغييرا كبيرا تشهده البلاد، يتمثل في تصريحات السفيرة الأمريكية في الجزائر السيدة جوان بولاشيك، يوم السبت 19 سبتمبر الجاري بقسنطينة، التي أكدت من خلالها، أن الولايات المتحدة الأمريكية “تُدعّم جهود الجزائر من أجل تنويع إقتصادها”، فتصريحات سفيرة أقوى دولة في العالم، يجب أخذها مأخذ الجّد، فهي تعكس برأيي قناعة البيت الأبيض الأمريكي بأن الجزائر قد إجتازت أهم منعرج كان يعيق تنميتها وانفتاحها على العالم، وما يؤكد ذلك أكثر، هو الضوء الأخضر الذي تلقاه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند للتحرّك في منطقة المغرب العربي الكبير، من خلال زيارته للرباط في هذا الظرف بالذات، بهدف إعادة الرّوح لهذه المنظمة الإقليمية، لاسيّما في المجال الإقتصادي والتجاري، وهذا بالتزامن مع بروز إرهاصات حلّ الأزمة في ليبيا.
في الختام يجب الإعتراف بأنّ الرئيس بوتفليقة، الذي يتعرّض لأشرس الهجمات حاليا، قد أوفى بوعده، فبعد نجاحه في استرجاع الأمن والسلم للجزائر، ها هو اليوم يُصنع أكبر حدث في تاريخ الجزائر المُستقلة، بتخليصها من هيمنة وسيطرة “العلبة السوداء”، التي أبقتها ولعقود خلت تحت رحمة اللوبيات وجماعات المافيا السياسية المالية، التي أسّست لوجودها قبل الإستقلال.
عبد القادر حبيبي
محام وخريج معهد الدراسات الدبلوماسية والإستراتيجية بباريس

Share.

Leave A Reply