أحميدة العياشي
عبد الحفيظ، وهو من أهم المؤسسين للأفافاس، يقرر أن يتكلم، ويقول كل شيء في هذه المذكرات.. أنصف الكولونيل محند أولحاج عرى بوضياف وفضح مسيلي، وكشف عن الوجه الحقيقي لآيت احمد.. فهل قال صاحب “الأفافاس ضد الدكتاتورية” الحقيقة؟!
احميدة عياشي
في 1989 ظهرت مذكرات بلعيد عبد السلام تحت عنوان “التاريخ والصدفة” عن منشورات ليناڤ.. كانت بمثابة الفاتحة للمئات من الشهادات والمذكرات التي راح يسجلها الفاعلون في الحركة الوطنية، وفي حرب التحرير الوطني، لكن أيضاً من تولى المسؤوليات والمناصب الحساسة عشية حصول الجزائر على استقلالها.. طبعا كانت هناك بعض الشهادات والكتابات من قبل الفاعلين مثل رئيس الحكومة الأسبق، ورئيس المجلس التأسيسي فرحات عباس الذي وضعه الكولونيل هواري بومدين تحت الإقامة الجبرية عشية إعلان موقفه المعارض لقضية الصحراء الغربية، والتوجه الاشتراكي، وكذلك في كتابات محمد لبجاوي، وسعد دحلب، لكن معظم هذه الشهادات توقفت في معظمها عند محطات الاستقلال، إلا أن مذكرات بلعيد عبد السلام التي ظهرت في شكل محاورة أجراها كل من علي الكنز ومحفوظ بنون قد كشفت لأول مرة وداخل الجزائر عن الصراعات التي انبثقت حول السلطة منذ السنوات الأولى للاستقلال إلى غاية وفاة هواري بومدين وما أثاره حولها رئيس الحكومة الأسبق في بداية التسعينات من شكوك وتساؤلات… ومنذ ذلك الحين صدرت عدة مذكرات خلال التسعينات وما تلاها، منها مذكرات رئيس حكومة روشي نوار عبد الرحمان فارس التي لم تلق الاهتمام الذي يليق بها بما قدمته من معلومات صادمة، ومذكرات الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي قدم حقيقته لكن بشكل أكثر انتقاء، والمحامي بن تومي والشاذلي بن جديد الذي لم يدل بكل المعلومات التي لا تزال طي الكتمان خاصة ما تعلق بفترة حكمه ورحيله عن السلطة في لحظة ما من حياة الجزائر تميزت بالانقسام العميق داخل الطبقة السياسية، وداخل المجتمع، ومذكرات وزير العمل وكذلك المجاهدين الأسبق معزوزي، والتي حاول من خلالها انصاف فترة هواري بومدين.. ثم هاهي منشورات كوكو التي يشرف عليها المناضل السابق في الحركة الثقافية البربرية أرزقي آيت العربي يقترح علينا مذكرات أحد المؤسسين المسيرين الرئيسيين للأفافاس، ظل لوقت على الهامش ولم تسلط عليه الأضواء من طرف وسائل الاعلام، وبحيث راح مثل هذا الإهمال يثير أكثر من تساؤل عند المتتبعين الحقيقيين لحركة ومسار الأفافاس الطويل والمعقد والمليء بمناطق الظل.. ويعتمد نشر مثل هذه المذكرات لعبد الحفيظ ياحا وسجلها الصحفي حميد عراب شيء إيجابي ومهم وشجاع في حد ذاته لأن مثل هذه المذكرات لا تصب فقط في ازاحة اللثام عن عدة قضايا ومسائل لا تزال تعد من الطابوهات والمحظورات عند الزعماء الحاليين للأفافاس، ولا تصب فقط في اعادة الاعتبار لذاكرة هذا الحزب الذي صنعه الكثير من المناضلين والمقاومين النزهاء والشجعان الذين لم يعد يذكرهم أحد، بحيث علاهم غبار النسيان والتناسي، لكن أيضاً أن هذه المذكرات ترتبط بشكل أساسي وقوي يراهن الحياة السياسية اليوم، وبكل الأسئلة التي أصبحت تطرح اليوم حول موقع ودور الأفافاس في المعارضة وعلاقته بالسلطة، كما أن هذه المذكرات جاءت لا تحكي فقط عن حياة الأفافاس، بل كذلك تروي جزءا من قصة الصراع على السلطة، وقصة الرجال الذين أغراهم المال والسلطة وقاموا بخيانة المبادئ والوفاء للذين ضحوا من أجل أن يكون هذا البلد مستقلا وحرا…
“الأفافاس ضد الدكتاتورية” بين الحصار والرقابة الذاتية
صدر كتاب “الأفافاس ضد الدكتاتورية” خلال شهر جوان، وكتبت عنه عدة مقالات في جرائد صادرة باللغتين العربية والفرنسية.. إلا أن المقالات التي صدرت تتشابه وكأنها مقال واحد.. ومجمل هذه المقالات تتعرض إلى الكتاب بشكل عمومي ولا تتطرق إلى التفاصيل كما لا تشير إلى الخلافات الحادة التي عاشها الأفافاس، وتتجنب مختلف الانتقادات التي وجهها عبد الحفيظ ياحا، إلى آيت أحمد وذلك منذ نشأة الحزب إلى يومنا هذا.. كما لا تشير المقالات إلى الخيانات التي حدثت من داخل الأفافاس والتحولات لعدد من القادة الذين خانوا رفاقهم والتحقوا بالسلطة، ولا تثير تساؤلات حول عدة قضايا، منها قضايا الديموقراطية داخل الأفافاس، ولا مسألة الاختلاسات للأموال التي قام بها من كانوا على رأس أجهزة الأفافاس، ولا العلاقة بين عدد من قادة الأفافاس مع ضباط في جهاز المخابرات التي ظلوا في كل خطابات الأفافاس ينددون بها..
كما أن عنوان الكتاب جاء عاما وكأنه يوحي إن مضمون الكتاب هو تبجيل لنضالات الأفافاس ضد الدكتاتورية إلا أن في الحقيقة يروي الكتاب لنا قصة الأفافاس فيها جزء من مقاومته للتسلط والدكتاتورية، لكن أجزاء أخرى فيها رواية للخيانات داخل الأفافاس، وللصراعات بين الأشخاص ولإغراءات معيشية، والتسلط عند آيت احمد وغيره من قادة الأفافاس، وللنزالات عند البعض في التخلي عن المبادئ وعن الذين ضحوا بكل شيء في سبيل ان يكون هذا الحزب اداة للتحرر من التسلط والدكتاتورية..
لماذا صمت مثل هذه المقالات عن مثل تلك الحقائق والفضائح التي فجرها عبد الحفيظ ياحا في مذكراته؟ هل هو الخوف؟ هل هي الرقابة الذاتية؟ هو الخضوع باسم المجاملة والتواطؤمع لوبي الأفافاس داخل الميديا؟! أم ببساطة لأن معظم الذي قدمه صاحب منشورات كوكو أرزقي آيت العربي الذي يكون قد أراد تحاشي إثارة ردود الأفعال عند من يمسهم الكتاب بالنقد والفضيحة وهم كثيرون ولا زال بعضهم من الناشطين في السلطة؟!
** شي غيفارا في أعالي جبال القبائل**
في جويلية من العام 1963 بينما كان الصراع بين الأخوة الأعداء على أوجه، وكانت الجزائر في الوقت نفسه صورة رائعة لشعب تمكن من تكسير أغلال الاستعمار في أعين شعوب العالم، جاء شي غيفارا رمز الراديكالية الثورية الى الجزائر، كان مبهورا بكل شيء في الجزائر.،. كانت الجزائر بالنسبة إليه من بين اهم المحطات الثورية في العالم حتى انه قال: حتى الفوضى في الجزائر هي ثورية.. يروي عبد الحفيظ ياحا في الفصل الأول من الكتاب عن هذه الرحلة التي قام شي غيفارا الى منطقة القبائل .. يصل الى مراكز المنطقة السابعة التي يقودها الكولونيل محند أولحاج مرفوقا بمترجمة ومصورة في الوقت نفسه..
قضى وقتا طويلا وهو يتناقش مع الكولونيل محند أولحاج وعدد من ضباط المنطقة السابعة ويروي عبد الحفيظ ياجا أن شي غيفارا طلب ان ينزل الى الميدان ورغب في زيارة المناطق التي تمت على ارضها المعارك ضد الاستعمار، وهكذا اتجه شي غيفارا ورافقه دليله وهو عبد الحفيظ ياحا نحو سهول بوبحير للوصول الى قرى قبيلة آيت يحيا. وفي قرية كوكو طلب شي غيفارا ان ينزل من السيارة واستمتع بالمناظر الطبيعية التي ابهرته ولم يكف شي عن طرح الأسئلة عن مجريات المعارك بين المجاهدين وجيش الاحتلال.. وانتقل كذلك الى آيت هاشم، وآث ملال وآث يوسف والمكان المسمى تاشكيرت، ومن تاشكيرت اتجه شي غيفارا عبر النفق الكبير الى غاية تبروردا، وراح يصغي باهتمام الى مختلف قصص المعارك التي حدثت بين جند المنطقة وقوى الاستعمار التي كانت مجهزة بالدبابات وأحدث الأسلحة..
وعند الوصول إلى قرية عزوز يقول عبد الحفيظ ياحا أنه راح يذكر عبان رمضان، فأجابه شي غيفارا أنه سمع عنه الكثير.. ان غيفارا الذي يبديه لنا عبد الحفيظ في منطقة القبائل هو ثوري فضولي، كان يريد وهو يصغي الى مختلف سرديات حرب التحرير ان يفهم ويتأمل اسرار انتصار شعب اعزل من خلال حرب عصابات جرت في ظروف ميزتها الشجاعة، الصبر، الألم والإيمان بتحقيق الانتصار.. شي غيفارا في أعالي جبال القبائل من كان يقول..؟؟! أمن يذكر ذلك؟ ان الوصف الذي يقدمه عبد الحفيظ ياحا لشخصية غيفارا وهو يعرب عن إعجابه بعقل الثورة ورجالها وذلك على ارض الميدان، يكشف هذا الرأسمالي الثوري الكبير الذي لم نعرف كيف نحافظ عليه عشية الاستقلال ولا كيف نجعل منه زادا للأجيال الجديدة، ولا كيف نسوقه لأن ما كان يهم عند الفاعلين هو الصراع على السلطة والصراع على كسب النفوذ والقوة..
***الأفافاس قصة ميلاد عسير***
فرحة الاستقلال لم تكتمل، لانه منذ البداية ظهر الصراع على السلطة ولم تكن من لغة الا لغة السلاح والقوة، لقد تمكن جيش الخارج كما يسميه عبد الحفيظ ياحا وهو هيئة الأركان العامة التي كان يشرف عليها الكولونيل هواري بومدين من ان يقلب موازين القوة الى صالحه، بحيث الحق الهزيمة بالحكومة الشرعية المؤقتة التي كان يقودها يوسف بن خدة، وفرض احمد بن بلة بالقوة على راس الجزائر وبالتالي انتصرت جماعة تلمسان وفرضت الامر الواقع بقوة السلاح ولم تجد الأصوات المعارضة نفعاً، ذلك الى التحاق شخصيات مدنية مثل عباس فرحات بحماية تلمسان التي كانت تملك جيشاً منظما أكثر عددا وعدة، وكادت الجزائر ان تدخل حربا أهلية مباشرة بعد الانتقال من فترة الاستعمار الا ان الشعب خرج الى الشارع وعبر عن إرادته في العيش في سلام بعد سبع سنوات من الحرب والدم والمعاناة، لكن ذلك لم يمنع جماعة تلمسان من مواصلة خطتها في الاستيلاء على الحكم وفرض سلطتها على جميع الفرقاء، وكان الجرح مماثلا لدى قادة المنطقة السابعة التي كان على رأسها الكولونيل محند أولحاج بحيث تحالفت هذه المنطقة مع المنطقة الرابعة التي كان يترأسها الكولونيل الخطيب وذلك من اجل إيقاف آلة جيش الحدود ولكن دون جدوى، وفي ظل مثل هذا السياق المعقد والمشحون الذي تم فيه إلقاء القبض على محمد بوضياف وذلك بتاريخ 21 جوان 1963 بمعية ثلاثة من المناضلين ونقلهم الى الجنوب الجزائري ووضعهم هناك تحت الإقامة، كان هذا الخبر السيء بمثابة النار في الهشيم حيث انتشر بتيزي وزو وبعث في قادتها القلق، وهذا ما دفع بكريم بلقاسم ان يلتقي على جناح السرعة بقائد المنطقة الكولونيل محند أولحاج ليتدبرا الامر ويتناقشان في المستجدات من اجل إيجاد طريق تؤدي الى الحل من اجل تجاوز هذا الوضع ذي الأفق المسدود، وتركز نقاشهما بالدرجة الأولى على مشروع الدستور الذي كان قيد التحضير عند احمد بن بلة وتفرع نقاشهما الى الانحرافات التي أصبحت تزداد اتساعا لدى السلطة، ويذكر عبد الحفيظ ياحا ان الملازم علواش وهو المتحدث السابق باسم الولاية الرابعة اتصل بهم كريم والكولونيل محند أولحاج وعبد الحفيظ، حيث كانوا مجتمعين يدرسون الوضع ووجه لهم اللوم على صمتهم وعدم تحركهم أمام سلسلة الانحرافات التي يقول بها بن بلة، لكن جواب الكولونيل ركز أنه لابد من منح بعض الوقت، ثم بعد ذلك نرى.. لكن سرعان ما بدا أن الوضع أصبح لا يطاق وهذا ماجعل كريم يشدد في ذلك الاجتماع بتيزي وزو، على الانخراط في المقاومة بأي شكل كانت ضد سلطة بن بلة، وأضاف أنهم لا يفهمون سوى منطق القوة والعمل المسلح، أما الكولونيل محند الحاج فلقد كان يعتقد أن المنطقة لا تتوفر على العدد الكافي من الرجال، وأن هؤلاء لم يستردوا أنفاسهم بعد من متاعب وأهوال الحرب، ثم يضيف مخاطبا كريم بلقاسم “ولا تنس أن ولايتنا دفعت الثمن باهضا وأكثر بكثير من الولايات الأخرى.. ثم ان عدد القتلى مازال ماثلا في الأذهان الذين فقدانهم في معركة أزمة صيف 1962 الى جانب العشرات من الجرحى” ان هذا التردد الذي أبداه الكولونيل محند الحاج كان يخفي وراءه الحكمة والرغبة في عدم سفك المزيد من الدماء .. كان الكولونيل محند أولحاج يرغب في المقاومة السياسية وهو الرجل العسكري أكثر من المواجهة العسكرية، وهذا ما جعل النقاش يتجه بصورة أكثر وضوحا ودقة الى خلق حركة سياسية بدل خلق منظمة مسلحة أو عسكرية.. وعند التوصل الى مثل هذه القناعة كلف الكولونيل محند أولحاج عبد الحفيظ بالاتصال مع آيت احمد الذي كان يقيم في حيدرة، ويذكر عبد الحفيظ ياحا أن آيت احمد كان مترددًا عندما طرح عليه خلق حركة سياسية لقد جرى اللقاء في فيلة آيت احمد في الجزائر العاصمة وقال آيت احمد لعبد الحفيظ أنه سيلتقي في ذلك المساء بأحمد بن بلة في قصر الشعب وذلك على مائدة العشاء التي يقيمها بن بلة على شرف رجل المخابرات المصرية والمقرب من جمال عبد الناصر فتحي الديب الذي كان في زيارة إلى الجزائر ثم طلب من ياحا ان يدعو الكولونيل وكريم بلقاسم الى فيلته حتى يواصلوا النقاش والتشاور، وبالفعل بعد وقت قصير التقى في فيلة آيت احمد كل من كريم والكولونيل محند أولحاج وياحا، وكذلك مولود تيغيلت وبلعيد آيت مدري وهما من قدامى فدرالية فرنسا.. وعاد كريم يطرح فكرة انشاء تنظيم سياسي إلا أن آيت احمد رفض ذلك معللا أنه سيدعمهم في حالة ما انخرطوا في عمل مسلح أي التفكير في القيام بانقلاب.. وشكل مثل هذا الموقف خيبة كبيرة عند الكولونيل محند أولحاج وكان هذا الأخير لا يثق في آيت احمد فلقد سبق و أن خذل الولاية السابعة في أزمة صيف 62 عندما أطاحت جماعة تلمسان بالحكومة المؤقتة بتاريخ 3 جويلية من نفس العام يتصل آيت احمد بياحا كما يذكر هذا الأخير ويطلب منه عدم الإعلان عن ميلاد حركتهم قبل ان يغادر الى فرنسا، الا ان بن بلة سيشك فيه وقد يلقي عليه القبض، ويذكر صاحب “الأفافاس ضد الدكتاتورية” ان آيت احمد كان قلقا ومتوترا ومتأكدا ان بن بلة قد يلقي عليه القبض اذا ما أعلنوا عن ميلاد حركتهم السياسية، وهذا ما جعل ياحا يقترح على آيت احمد ان يرافقه الى منطقة القبائل ليكون هناك في أمان..
لم يستشر ياحا قائد المنطقةالسابعة عندما التقى بآيت احمد ، ولدى عودته الى تيزي وزو رفقة ايت احمد وفر ياحا اقامة امنة لايت احمد في عين الحمام ، ثم اخبر بعد ذلك الكولونيل محند. او لحاج الذي لم يكن متحمسا لايت احمد ، بل كان متخوفا من تصرفاته ، و عندما التقاه قال له ، انهم لايريدون الحرب او الدخول في صراع من جديد خاصة و ان الكولونيل ورجاله عاشوا قساوة الحرب ومآسيها ، و عاشوا اسوأ اللحظات و احزنها ، و لكنهم يجدون انفسهم مضطرين للدخول في مواجهة بن بلة وجها لوجه ، و هكذا تحولت تيزي وزو منذ جويلية 1963 القلب النابض لكل من اعترضوا على توجهات بن بلة و جماعة تلمسان خاصة بعد ان تفاقمت النزعة التسلطية للحكم ، و ما رافقها من توقيفات ارتجالية للمناضلين و اختراقات للحريات و التعسف في استعمال السلطة … تكثفت اللقاءات في تيزي وزو في مالكة و في ميشلي … و في اوت 1963 تحول مقر بلدية ميشلي الذي وضعه بين ايديهم رئيس بلديتها الشاب الى مركز لاستقطاب عدد من الوجوه المعارضة مثل المحامي مراد او صديق و الرائد بورقعةو مزيان غزالي و عبد النور علي يحيا و كذلك النائبتين اللتين التحقتا بهما و هما مريم بلميهوب. و صافية بازي كما التحق بهم ممثلان عن تنظيم بوضياف و هما ابو بكربلقايد و علي عمار، و في سبتمبر 1963 حضر الاجتماع الاساسي و كان ذلك في مقر بلدية ميشيلي ، كل منالكولونيل محند اولحاج ، حسين ايت احمد ، قاسي بن نايت بلعيد (رئيس البلدية ) بلعيد ايت مدري ، عبد النور علي يحيا ، مراد او صديق ، مولود تيغليت ، مزيان غزالي ، طاهر تمزي ، و كان جدول الاعمال اعطاء تسمية للحركة الجديدة ،و اقترح الكولونيل محند اولحاج ،ايت احمد ليكون السكرتير العام للاففاس ، و عندئذ حاول ايت احمد ان يعتذر قائلا ، ان بن بلة سيقول انني التحقت بكم فقط لان اكون على رأس الحركة ، فرد عليه الكولونيل محند اولحاج ( ياسي لحوسين ، ان بلة خصمنا ، ولا يجب ان نعطي لرأيه اية قيمة) و في تلك اللحظة صمت ايت احمد و لم يعلق بكلمة ، و هكذا كانت الولادة العسيرة للافافاس ، و بعد ايام من اعلان الميلاد ، اعلن كريم من فرنسا عن نفسه متحدثا باسم الافافاس ، و هذا ما ازعج ايت احمد الذي سأل بدوره الكولونيل اولحاج ان كان على علم بتصريح بلقاسم لكن اولحاج قال م انه لم يعد في اتصال مع كريم ، منذ ان غادرهم الى فرنسا … و عندئذ اصدر ايت احمد ردا ناريا على كريم متبرأ منه و احدث ذلك جرحا في نفس كريم بلقاسم ، لم يستطع نسيانه الا ان تم اغتياله في المانيا ، و يقول عبد الحفيظ ياحا معترفا بعد سنوات ، لقد اخطأنا عندما ابعدنا بطريقتنا تلك كريم عن حركتنا : كان علينا ان نكون مستقطبين بدل اقصائيين لكل من كان يريد مقاومة الديكتاتورية الناشئة
الكولونيل محند اولحاج : من رافع راية التمرد الى الاستسلام
في مذكرات ياحا، قصة مؤثرة لبطل صادق و رجل مغوار مثل الكولونيل محند اولحاج ، الذي سيغادر معاقل المقاومة ، المسلحة ضد الثنائي بن بلة ، بو مدين ، لقد كان الكولونيل قائد الولاية الثالثة التي تحولت الى المنطقة السابعة ، و ظل يحتفظ باستقلالية ولايته الى جانب الكولونيل يوسف الخطيب في الولاية الرابعة ، كان يتمتع محند اولحاج باحترام الجميع ، و كان يرأس عدة فيالق و هو الى جانب شخصيته العسكرية كان صاحب مبادئ و متشدد في الدفاع عن الكرامة الوطنية و الحريات ، و في محاربة التسلط ، و هذا ما جعله ينتصر للشرعية غداة الاعتداء عليها من طرف جماعة تلمسان بقوة السلاح ، و كان هو صاحب الفكرة الملهمة في تأسيس الافافاس في الرقت الذي كان ايت احمد مترددا ، و هو الذي وضع ايت احمد على راس الافافاس ، و عندما اندلعت حرب الرمال بين الجزائر و المغرب ، بعث بفيلق ليشارك في الحرب ، و حدثت هدنة بين نظام بن بلة و الكولونيل ، و لم يكن الكولونيل من محترفي اللعبة السياسية مثلما كان عليه مناضلي الحركة الوطنية الذين جذبتهم اضواء الزعامة ، مثل بن بلة ، و بو ضياف و ايت احمد ، بل كان يتصف باستقامته ، و في الوقت نفسه بعزة نفس ، و هذه النقطة الاخيرة ، هي التي جعلت منه يلين عندما اشتد النزاع بينه و بين ايت احمد الذي انقلب عليه ، و احبط من معنوياته ، و ادرك الكولونيل ان لا الامكانيات ، و لا حماسة الرجال ولا الظرف التاريخي سيمكنونه من مواصلة المقاومة المسلحة لمقاومة بن بلة ، و ذلك بالاضافة للتأثير الذي مارسه عليه كما يذكر صاخب ( الافافاس ضد الديكتاتورية) كريم بلقاسم الذي التقى بابن بلة من حديد ، ووعده بالانفتاح ، و لقد اعتقد كريم ان ابن بلة هذه المرة بسبب صراعاته الجديدة مع بومدين سيفي بوعوده ، و هكذا عقد الكولونيل في نهاية المطاف اتفاقا بينه و بين الحكومة لوضع السلاح ، و هذا ما جعله فيما بعد هدفا لانتقادات ايت احمد ، خاصة بعد ان اصبح الكولونيل عضوا في المكتب السياسي للافالان … لقد آثر الكولونيل في نهاية الطريق السلطة على المعارضة ، و لقد حاول ان يجلب معظم من دعاهم الى حمل السلاح و خلق الافافاس الا انه لم ينجح الا قليلا … فحتى عبد الحفيظ ياحا الذي كان مقربا منه ، و التقاه لاخر مره قبيل التحاقه بالنظام ، يروي ان الكولونيل كان يعيش تمزقا حقيقيا ، و انه كان يشعر بالوحدة ، لان من كانوا من حوله عملوا على الخط من معنوياته بسبب نزاعاتهم و عدم استعدادهم في خوض خرب اخرى، فلقد كانوا يشعرون بالتعب و الرغبة في اخذ قسط من الراحة ، تلك الراحة التي يسمونها باستراحة المحارب … و بعد ان رفع الكولونيل محند اولحاج ، عاش الافافاس لحظات صعبة ، لان معظم العسكريين الذين كانوا منخرطين في المقاومة التحقوا بالكولونيل الذين كانوا يحبونه و يحترمونه ، و بسبب ذلك كانوا في الافافاس … اما وقد الكولونيل غادر الافافاس ، فلم يعد البقاء فيه يشكل لديهم اي معنى …
يتبع
http://www.elhayat.net/article28670.html

ايت احمد ، الوجه و القناع

محنة المعارضة المسلحة، الوجه الخفي لآيت احمد وخيانات من داخل الأفافاس
هناك صورة مركبة تتراوح بين الحب ، اللوم و النقد اللاذع و الشكوك الحادة تلك التي رسمها صاحب الافافاس ضد الدكتاتورية ،، عن ايت احمد … مرة نستخلصها ذات الملمح الذي يتميز به عدد من الحيل الذي رفع السياسة في الحركة الرطنية و المتعود على المناورة و الاستكانة و البحث عن المكسب و لو على حساب المناضلين ورفاق الدرب ، مالذي يشكل الاختلاف بين احمد بن بلة و بوضياف و ايت احمد مثلا ، لا شيئ ، باستثناء ان الاول تمكن من الوصول الى السلطة في حين ان الاخرين اخفقوا ،
لقد بدا ايت احمد مترددا عندما اقترح عليه عبد الحفيظ و محند اولحاج الالتحاق بهم من اجل خلق حركة سياسية معارضة جادة ، وهذا التردد و الخذلان بين عنه ايت احمد عندما تردد في الوقوف الى جانب جماعة تيزي وزو عندما قامت جماعة تلمسان بانقلابها الاول على شرعية الحكومة المؤقتة ، و في المذكرات يشير عبد الخفيظ ياحا تلك العلاقة المشبوهة بين ايت احمد و انريه الذي يتهمه عبد الخفيظ ببقائه في الخدمة في حهاز المخابرات ، و ينعته بالعنيل الثلاثي ، لكل من جهاز المخابرات الجزائرية و الفرنسية و المغربية … و يقول عبد الحفيظ ياحا ان ايت احمد لم يرد ان يكشف عن طبيعة العلاقة بينه فقد كان يتذرع انه عينيه ،في الاطلاع على ما يجري داخل السراديب السرية للنظام … و يشير عبد الحفيظ كذلك ان ايت احمد في الوقت الذي كان رفاقه يقاومون ميشيليات بن بله ، التي كان يشرف عليها سرا بتسليم نفسه لقوات الحيش ، و يشدد عبد الخفيظ على هذه المعلومة بالشهود الذين يذكرهم في الكتاب … كما اننا نكتشف صورة اخرى لايت احمد خلال هذه المذكرات ، و هو انفراده بالقرارات دون مشاورة ، و يعطي عبد الخفيظ ياحا على ذلك عدة امثلة ، منها الحوار الذي ادى به ايت احمد لصحفية لوموند الذي دعاها ليندد بكريم بلقاسم الذي اعلن نفسه كمن تحدث باسم الافافاس ، ثم تنديده بالمفاوضات التي جرت في فصلها الاول ، و قد كان يقوده الكولونيل محند و الحاج و ممثلي حكومة الثنائي بن بلة ، و بو مدين ، و هذا ما جعل الهوة تتسع بين الرجلين ايت احمد و الكولونيل محند اولحاج ، و كذلك انفراده بامضاء اتفاق مع احند بن بلة ، في نهاية الثمانينات ، و بالتالي انقلابه جذريا على كل ما كان يقوله عن احمد بن بلة ، و ذلك من اجل غايات تكتيكية … و يشدد على الشخصية المزدوجة لايت احمد الذي يرفع لواء المعارضة عند جهاز المخابرات و النظام السياسي لكن في نفس الوقت رفض ان يمضي بيانا يندد فيه باغتيال كريم بلقاسم في فرانكفورت على يد المخابرات الجزائرية ، كما يشير صاحب “الافافاس ضد الدكتاتورية” الى عدم استعداد ايت احند لتحمل مسؤولية النظال على الارض ، بما انه هرب الى فرنسا ، حتى تخلى عنليا عن ممارسة النضال على راس الحزب ،و كشف عبد الخفيظ بالرسائل التي تتم تبادلها بينهما ، ان ايت احمد كان يريد ان يجعل من الحزب مجرد هيئة للافكار ، و بالتالي الابتعاد عن النضال الميداني ، و لذا ماكان قريب من الحياة اليومية للمناضلين سواء الذين كانوا يقاومون و يعانون في الداخل او خارج البلاد…
و يحمل عبد الحفيظ ياحا ايت احمد المسؤولية في اختفاء الوثائق يوم دبر سرا عملية تسليم نفسه و كذلك الاختفاء المتكرر لاموال الافافاس و يذهب عبد الحفيظ ياحا الى حد طرح تساؤلات كيف بدأ المناضلون ، الواحد تلو الاخر يسقطون في قبضة الامن مباشرة بعد نقل ايت احمد الى السجن ، و كيف تم الصمت عن ذكر مسيلي في لحظة القبض عليه ، كان هذا يشكل في نظر عبد الحفيظ ياحا مسرحية محبوكة الخيوط .. و يتساءل عبد الحفيظ ما هي الدوافع التي جعلته يدفع و يشجع و ينصح زوجة محمد خيدر الذي اغتالته مخابرات هواري بو مدين في مدريد ، و ذلك امام مرآها عندما كانت بجانبه في السيارة ، الى مقابلة هواري بو مدين … و هي بعد ان سلمت المال الذي كان بحوزة زوجها و ما اثاره من سجالات لم يعمل بو مدين على تبييض صورة زوجها ، و اعادة الاعتبار له … و يذكر عبد الخفيظ ياحا حادثتين مهمتين ، الاولى لقاء ايت احمد بالجنرال مصطفى شلوفي في فترة الشادلي بن جديد و كذلك الصفقة غير الموفقة بينه و بين ضابط المخابرات التي تشوب حوله عدة شبهات باغتيال وجوه كبيرة من المعارضة الجزائرية ، و هو حميد ايت مصباح … و كان اللقاء بين ايت احمد و الضابط بواسطة عبد الحفيظ ياحا الذي قدم اليه من خلال اصدقاء… و لقد عرض ايت احمد على حميد ايت مصباح المال ليكون عميله ، الا ان هذا الاخير رفض ..و بالاضافة الى هذا يذكر عبد الحفيظ شخصيات اخرى كانت عميلة للمخابرات ربطتها علاقات مع ايت احمد… ما الذي كان يريد ان يقوله لنا عبد الحفيظ ياحا؟!
كان يريد ان يضع اليد ليبين و يكشف عن العلاقة المعقدة بين وجه ايت احمد الحقيقي و الاقنعة التي يرتديها ، مثلما يرتديها اي سياسي مسكون بالسلطة …
.. شعباني .. مأساة كولونيل شاب
في المذكرات ، بداية مؤثرة ، للكولونيل شعباني الذي كان تحت التأثير الشديد لمحمد خيضر ، و هو ابن منطقته ببسكرة … فلقد رفض شعباني ديكتاتورية و تسلط كل من احمد بن بلة و هواري بو مدين .. و لقد اعلن تمرده على سلطتهما بحيث كان على راس الهيئة العامة للاركان في الجنوب .. وبدا وكان تمرده يصب في العصيان الذي اعلنه الكولونيل محند اولحاج ، و كذلك موسى حساني الذي ترك منصبه كوزير البريد و الاتصالات ليلتحق بالجهة الشرقية لاعلان العصيان المسلح بامر من بوضياف مرتفعات القل ، و كان ذلك بامر من بوضياف الذي كان يعد من انصاره ، لكن سرعان ما يهرب بوضياف و يترك انصاره و جماعته بدون دعم وسلاح و اكل ، و يذكر عبد الحفيظ ياحا، ان الكولونيل شعباني الذي لم يكن يتجاوز سن الثامنة و العشرين اضطر للهروب عندما حاصره جيش بومدين ، و اتجه رفقه عشرة من المقربين اليه نحو بسكرة ، بحيث القي عليهم القبض في 8 جويلية 1964 ، واقتيد الى السجن العسكري لوهران ، و حوكم بسرعة بعد شهرين ليحكم عليه بالاعدام في 3 سبتمبر 1964 ، و يذكر ياحا على لسان وكيل الجمهورية الذي كان حاضرا هناك و كانت تربطه به علاقة ان العقيد سليمان هوفمان، و هو من العسكريين الفارين من الجيش الفرنسي ، طلب من الكولونيل الشاب الذي كان قد اخذ تعليمه في مدارس جمعية العلماء المسلمين ان يطلب الرحمة و يقدم اعتذاره ، فبصق الكولونيل في وجه العقيد سليمان هوفمان ، و رفض ان يطلب الرحمة ، و عندما قرروا في اليوم التالي اعدامه بشكل انتقامي ، رفض الكولونيل الشاب ان يضعوا فوق عينيه اللفافة السوداء…
.خيانات من داخل الافافاس
لقد دامت معارضة الافافاس المسلحة من 1963 الى 1965 تكللتها محطات تفاوض في عهد بن بلة ، ثم في عهد بو مدين عندما انقلب على بن بلة ، و اتسمت بتفرقات كبرى ، بحيث وضع العديد منهم السلاح ، واستشهد العشرات بحيث قدر عددهم بحسب صاحب المذكرات ” الافافاس ضد الدكتاتورية ” ب 200 شخص ، و اكثر من 1000 جريح ، و لقد تحول البعض منهم الى اعضاء في الميليشيات ، حيث وانقلبوا على رفاقهم القدامى ، و ساموهم اشد العذاب و افرغوا فيهم كل مرارة الاستسلام التي ولدت فيهم الحقد و النزعة السادية … و لقد انعكس ذلك على بعض القادة بالسلب ، فانتقلوا من المقاومة الى الالتحاق بالنظام ، و من بينهم علي يحيا عبد النور ، الذي وصفه ايت احمد يوم خانهم بأقذر النعوت ، ليصبح فيما بعد وزيرا في حكومة بومدين ، و كذلك محند اكلي بن يونس الشقيق الاكبر للوزير الحالي عمارة بن يونس ، الذي كان المسؤول على الافافاس بفرنسا ، و الهجرة ، لكن بعد المفاوضات الثانية التي كان يقودها عن النظام شريف بلقاسم فض يديه من الافافاس ، بل وراح يعمل بحسب عبد الحفيظ ياحا على استئصال الافافاس في فرنسا ، و اصبح مقربا من جهاز المخابرات من خلال العلاقة التي باتت تربطه بتونسي و بن حمزة المسؤول الميداني لجهاز المخابرات ، و تفرغ للاعمال و البزنس ، و لقد اتهمه عبد الحفيظ ياحا في مذكراته على الاستيلاء على جزء من خزينة الافافاس .
و الآن؟!
ربما يوجد اخرون كذلك لديهم قصصهم عن حياة هذا الحزب الذي انبثق في ظل لحظة غضب حقيقي و خوف ان تسرق البلاد من طرف طغمة شربت حد الانتشاء حليب التسلط و لبن الانفراد. و لم تكن حياة هذا الحزب هي ما تبقى من هذه الواجهة البراقة و الخداعة و الكذابة و المضللة … بل حياة هذا الحزب شكلت مئات الذين منحوه شبابهم أفكارهم لحظاتهم الهنيئة، حياتهم وهي أعز ما يملك المرء و ذلك من أجل أن يعيش هذا الشعب سيدا و أن تتنفس هذه النخب نسيم الحرية و الكرامة و أن تنبض قلوب النساء و الرجال من جيل اليوم بالحياة و الكرامة…لم يكن الافافاس مجرد حزب تقليدي و مجرد جهاز صانع للبيروقراطيين و للزعماء ، بل كان نداءا حقيقيا للحظة التي يجب ان تعاش بحب و شرف و شجاعة و سعادة ، و هذه اللحظة سرعان ما تم حصارها و خيانتها بالتواطؤ مع السلطة باسم نقدها مقاومتها ، و بالتواطؤ مع الرداءة التي تسربت الى جسد الافافاس من خلال الذين دفعت بهم الصدف الى واجهة الحزب الذي كان بذاكرة مناضليه الحقيقيين اكبر من طموحاتهم و نظراتهم ، بل اكبر منهم و من عوالمهم التي جعلت منهم مخربيه من الداخل … ان الافافاس تعلمنا هذه المذكرات ، هو اولئك الذين صنعوا لحظاته المجيدة في صمت و تواضع ، و في بعد كامل عن الاضواء الساطعة المليئة بالزيف و الخديعة.
http://www.elhayat.net/article28728.html

Share.

تعليق واحد

Leave A Reply