القائمة العليا

3,447 قراءةطباعة الموضوع

تمنراست.. ذلك العالم الرائع والشاسع، والساحر بطبيعته الخلابة والمعالم التاريخية الشاهدة على الفترة الأولى لتكوين الأرض

“الفجر” تقطع مسافة 2400 كيلومتر برا إلى تمنراست
رحلة للدهشة والمتعة.. واسكتشاف أسرار الرجل الأزرق والأهڤار

2010.12.18

تمنراست.. ذلك العالم الرائع والشاسع، والساحر بطبيعته الخلابة والمعالم التاريخية الشاهدة على الفترة الأولى لتكوين الأرض مند أكثر من 3 ملايير سنة..

تمنراست.. بوابة للتاريخ، التهريب، السيدا، التزوير والمخدرات
توريث العبيد يتواصل رغم منعه في السبعينيات من قبل الرئيس الراحل هواري بومدين
فهي جنة للجيولوجيا تحتضنها الأهڤار من خلال منحوتات بركانية ورسومات حجرية عمرها آلاف السنين، كما أنها تحولت هذه السنوات إلى بوابة لمختلف الآفات الاجتماعية كالسيدا والمخدرات والتزوير والتهريب والهجرة السرية باتجاه أوروبا للدول الإفريقية وغيرها. الرحلة إلى عاصمة الرجل الأزرق جاءت بعد اختيار محافظة المهرجان الثقافي المحلي للفنون والثقافات الشعبية لولاية جيجل يومية “الفجر” لمرافقة الوفد إلى تمنراست لتغطية فعاليات الأسبوع المحلي، رغم ترددنا في البداية لبعد المسافة، حيث كان الوفد يضم أزيد من 50 مشاركا، من شعراء وفنانين وحرفيين ورسامين، وغيرهم، حيث انطلقت بنا الحافلة على الساعة الخامسة صباحا، وكان الحاضرون لا يتحدثون إلا عن كيفية قطع المسافة المقدرة بأزيد من 2400 كلم ذهابا فقط، وهذا من خلال خريطة جلبها رئيس جمعية “كال” الثقافية. وكانت الحافلة تطوي الطريق طيا، حيث عبرنا ولايات ميلة، قسنطينة، باتنة، فعاصمة الزيبان بسكرة، حيث تناولنا وجبة الغداء، ثم واصلنا الرحلة باتجاه ورڤلة، وعندئذ بدأت تبدو مظاهر الصحراء، وفي الوفد من لم ير الصحراء من قبل، فتجدهم يتأملونها بدهشة وإعجاب كبيرين، ثم واصلنا المسير إلى وادي سوف ثم تڤرت، فعاصمة الصحراء ورڤلة، لنكون قد قطعنا أزيد من 800 كلم، أي ما يعادل ثلث المسافة فقط، وهناك أقمنا بفندق المرحبى، لبضع سويعات، لنواصل رحلتنا التي دامت أزيد من 23 ساعة دون توقف، ماعدا دقائق تناول وجبة الغداء بمدينة المنيعة بغرداية، حيث كان علينا أن نسابق الزمن لنصل إلى الحاجز الأمني بمنطقة أراك، بعين صالح، قبل الساعة السادسة مساء، وهو الوقت الذي تمنع فيه حركة المرور في الاتجاهين لأسباب أمنية، على اعتبار أن المسافة بين عين صالح وتمنراست تقدر بـ800 كلم، وكلها صحراء خالية، والمسافر معرض لكل الأخطار، وهنالك انتاب الخوف العديد من أعضاء الوفد، خاصة وأننا لم نكن نرى سوى الصخور والكثبان الرملية.. وهي منطقة تنعدم فيها الحياة فلا اتصالات ولا هواتف نقالة تشتغل ولا أي شيء، وما زاد من رهبة الوفد هو تعرض الحافلة الثانية إلى عطب، لكن لحسن الحظ كان بسيطا مكن السائق من إصلاحه سريعا وسط ذلك المكان الخالي الذي لا أثر فيه لإنسان أو مسكن. بعد مسيرة 23 ساعة، دخلنا مدينة الرجل الأزرق في حدود منتصف الليل، وأول ما شدنا أنوار جبل الهڤار الذي يراقب المدينة بعين ساهرة وهي تنام تحت سفحه هادئة مطمئنة. تعدد الزوجات وتوارث العبيد.. واسارو أو مفتاح المدينة.. سمرة الرجل الأزرق الرجل الأزرق أو الملثم، هي التسميات التي تطلق على أصحاب الأرض من قبائل التوارڤ المعروفين بلباسهم الأزرق الخاص وعاداتهم المميزة، وحسب الروايات، فإن أم التوارڤ هي الملكة “تين هينان” التي فرت في القرن الرابع الميلادي إلى أبلسة بتمنراست، وأسست لهذه القبيلة المترامية الأطراف بين النيجر ومالي. وحسب الترڤي عابدين، وهو إطار في السياحة، فإن التوارڤ اليوم أغلبهم يعيشون في المدينة وفي البادية، حيث يرعون الجمال والأغنام، مؤكدا أن التوارڤ يتساهلون في تعدد الزوجات، حيث يمكن للترڤي أن يتزوج عدة نساء دفعة واحدة دون إذن الزوجة الأولى. أما الزواج عندهم فيكون بين سن الـ15 والـ17 للفتاة والرجل، ويدوم العرس أسبوعا كاملا، وتقدر تكاليف الزواج بقيمة جمل أو بعير، أي ما يقدر ثمنه اليوم بين 5 و7 ملايين سنتيم. كما تشتهر المرأة الترڤية بموسيقى الامزاد حيث تؤديها النساء بالعزف على آلة كمان بوتر واحد. والمثير هو استمرار ظاهرة العبيد، التي ما نزال نسمع بها في المنطقة، فقد أشار محدثنا، عابدين، إلى أن الرئيس الراحل هواري بومدين حاول القضاء على الظاهرة في السبعينيات من خلال منع سوق الرقيق أو العبيد بالمنطقة، إلا أن ممارستها ظلت متواصلة إلى يومنا هذا، لكن عن طريق التوريث أبا عن جد دون البيع.. وأشار ذات المصدر إلى أن عائلته لها عبدين ورثهما وأبناءهما من العائلة الكبيرة، مشيرا إلى أن العديد من نبلاء التوارڤ مازالوا على هذا المنوال سرا. أما “اسارو” أو مفتاح المدينة المشهور في المنطقة، والذي يتفنن الحرفيون في نقشه وبيعه للأجانب بأسعار مرتفعة، فيعود إلى أميرة التوارڤ التي كانت تغلق على مجوهراتها في خزانة خشبية بواسطة مفتاح وتعلقه في أحد أطراف شاشها الأزرق، ثم تلفه إلى الوراء ليحكم الشاش جيدا من الريح.. وتفيد الأساطير بأن المفتاح يهدى ولا يباع، إلا أنه اليوم أصبح تجارة مربحة لمحترفي الصناعات التقليدية التي تشتهر بها المنطقة. هواجس السيدا والمخدرات تلاحق العائلات الترڤية في زيارة لمختلف أحياء مدينة تنمراست رافقنا صاحب إحدى الوكالات السياحية بالمنطقة، وكان عضوا بالمجلس الشعبي البلدي، يدعى أحمد، توجهنا أولا إلى حي قطع الواد، حيث لاحظنا التواجد الكبير والمكثف للسود القادمين من النيجر ومالي وباقي الدول الإفريقية المجاورة أين تعشش كل أنواع الآفات الاجتماعية، وهناك وجدنا مئات الشباب بمدخل جسر الحي في ألبسة رثة ينتظرون من يشغلهم في أي عمل وبأجر يتراوح بين 200 و300 دج فقط، وهنالك أيضا واقع آخر لنساء يتاجرن ببيع أجسادهن ويؤسسن لشبكات مختصة في الدعارة، حيث أشار أحمد، وهو ترڤي، إلى أن العائلات الترڤية أصبحت تخشى على أبنائها من مرض السيدا الذي فتك بالعشرات، مضيفا أنه يعرف العديد من ماتوا بهذا المرض الخبيث في السنوات الأخيرة. سوق أسيهار أو سوق المخدرات والسلع المقلدة.. كل ما تطلبه موجود فور وصولنا إلى سوق أسيهار المشهور بالمنطقة، وجدنا فيه كل شيء وبأبخس الأثمان، من ألبسة وأجهزة إلكترونية ومنتوجات تقليدية وسجائر وأحذية ومواد غذائية، سواء المحلية أو الإفريقية، لكن أغلبها مقلدة، وعند مرورنا ببعض الباعة الذين يبيعون الفواكه والمكسرات على الطاولات، قال أحمد إن “هذه الطاولات هي مصدر الخطر على أبنائنا، حيث يتم اصطياد الشباب للدخول في عالم المخدرات من خلال حقن الفواكه بمختلف المخدرات وبيعها للضحية المتردد عليهم وعند الإدمان يستغلونه في العمل معهم، وهناك العشرات من الشباب وقعوا ضحايا لذلك.. إضافة إلى مطاعم الرعايا الأخرى التي تشكل خطرا كبيرا من خلال أنواع السحر أو إدخال الشخص في عالم المخدرات والدعارة”، ورغم مجهودات مصالح الأمن، إلا أن الشبكة في كل مرة تغير من حيلها وطرقها عند اكتشافها. كما أشار “أحمد” إلى أن ظاهرة التسول بتمنراست بواسطة الصحون للأطفال والنساء والعجزة والمعوقين تتحكم فيها منظمات خطيرة تتاجر بهم وتستغلهم أحيانا حتى في المخدرات والدعارة. أما التهريب فقد أكد عمي علي أنه تناقص مقارنة بالسنوات الأخيرة، خاصة منذ مجيء الوالي الجديد، ولا تزال عمليات التهريب مركزة على المواد الغذائية المدعمة والبنزين من خلال مسالك خاصة بالمهربين. سوق غيموازية لبيع سيارات المغتربين بأسعار زهيدة بعد إدخالها من النيجر في حظيرة فوضوية بمدخل سوق أسيهار الذي يعني بالترڤية الملتقى، وجدنا سيارات من كل الأنواع، لا سيما رباعية الدفع، تباع بأسعار زهيدة تتراوح بين 40 و80 مليون لسيارات أسعارها الحقيقية بين 120 و400 مليون سنتيم، والسر في ذلك أن المغتربين من مختلف ولايات الوطن يستقدمون سيارات سياحية من مختلف الدول، ولكي يبيعونها يقومون بالتنقل إلى هذا السوق لبيعها لتجار معروفين، حيث يتنقل البائع والمشتري إلى الحدود النيجرية القريبة، وعند المرور يتم إخراج سيارة المغترب من جواز السفر ليتركها له ويعود أدراجه، في حين يقوم المشتري بتسوية وثائقها ثم يعود إلى تمنراست بسيارة جديدة وهكذا دواليك. تمنراست بدون نقل حضري.. ولا غاز للمدينة المتجول في شوارع مدينة تمنراست يلمس لأول وهلة انعدام حافلات النقل الحضري، واعتماد السكان في تنقلاتهم على بضع سيارات أخرة، وأخرى “فرود” وبسعر 50 دج، حتى ولو كانت المسافة 10 أمتار، وهو ما زاد من تذمر السكان ونغص عليهم تنقلاتهم، أما التجارة فيتحكم فيها شباب الشمال من جيجل وسطيف وتيزى وزو وباتنة وغيرها، وإن الحركة التجارية تغلق أبوابها يوميا من الساعة االواحدة زوالا إلى غاية الرابعة مساء، وهو ما يعيق التحرك الإيجابي للأجانب السياح، ويضاف إلى كل هذا غياب شبه كلي للأنترنت، وإن وجدتها فهي بتدفق بطيء جدا وبسعر 120 دج للساعة الواحدة. ما سجلناه أيضا هو افتقار المنطقة لغاز المدينة، والذي قيل لنا إنه سيصل المنطقة في مارس المقبل، بعد الانتهاء من مشروع القرن لتزويد تمنراست بالماء الشروب وغاز المدينة انطلاقا من عين صالح على بعد حوالي 800 كلم، وهو من أكبر المشاريع التي يتابعها رئيس الجمهورية شخصيا. شباب تمنراست متعطش لثقافة الآخر.. وللمتعة أيضا ما سجلناه أيضا من خلال نشاطات الوفد الجيجلي بدار الثقافة والساحة المركزية من حفلات فنية وأمسيات شعرية ومعارض متنوعة للحرفيين والرسامين، ذلك الإقبال من طرف الشباب التمنراستي المتعطش لثقافة بلاده من خلال محاولة التعرف على عاصمة الكورنيش وتاريخها المتجذر في الحضارات، والتمتع برقصات ليلية على أنغام أصوات شابة دون الحديث عن التواصل المثير بين شعراء البحر والصحراء، واستضافة الشاعر دردوح لعدة شعراء جواجلة في بيته، كما استضافتنا عائلة بكاي ببيتها وتناولنا طبقا من الفتات التقليدي المشهور عندهم، وعشنا تقاليد الأكل الجماعي على الزربية، وكذا الشاي بمراحله الثلاث.. وهو ما يثبت كرم وجود أهل الصحراء. الهڤار، التيندي.. وأسكرام تيليسكوب طبيعي لأحسن شروق وغروب شمس تمنراست مشهورة بمعالمها السياحية، وهي جنة للجيولوجيين من خلال الآثار الموجودة بالمنحوتات البركانية، كالجبال التي تشكل أشكالا حيوانية وإنسانية وطبيعية ساحرة انطلاقا من موقع الطاسيلي، الأهڤار، الذي يلزم الزائر مدة أسبوع لزيارتها، وقد تم غلقه مند فيفري الماضي لأسباب تبقى مجهولة، خاصة لعدم التحكم في مساحته الشاسعة ووقوع العديد من حالات التيهان والفقدان لسياح أجانب. أما الجبال المطلة على المدينة، والتي يستغرق الزائر لها بضع دقائق، فنجد جبل الهڤار المشهور، والذي يبعد بحوالي 8 كلم جنوبا، ويسمى بلهجة التوارڤ “إهاغن” والتي تعني المهراس، وتفيد معلومات بأن سائحا أجنبيا فرنسيا قام في السنوات الماضية بمحاولة لتسلقه إلا أنه سقط وتوفي بعين المكان بالقمة ما استلزم استعمال المروحيات لانتشال جثته. وبجانب الهڤار ينام جبل آخر عملاق يسمى “التيندي”، ويعني يد المهراس، لكون الجبل يشبه كثيرا الأداة، كما يشبه أيضا آلة موسيقية تستعمل كثيرا في المنطقة. وعلى بعد بضعة كيلومترات تجد منطقة أفيلال، وهي واحة خلابة بها بحيرة بها أسماك مختلفة، يستعملها الرعاة في التزود بالماء ورعي أغنامهم وجمالهم، وهي منطقة ساحرة تستقطب السياح إليها، وعلى بعد 80 كلم تجد جبل أسكرام المشهور عالميا، والذي يعني القمة الباردة، ويبلغ ارتفاعه 2780 متر، ومن هناك يمكنك أن تشاهد أحسن شروق وغروب شمس في العالم. يبقى أن نقول في الأخير إن تمنراست جنة ساحرة، تبقى بحاجة إلى تفعيل واستغلال طبيعتها الساحرة ومواقعها التاريخية والأثرية والطبيعية في ترقية السياحة الصحراوية الجزائرية، دون الحديث عن القضاء على الآفات الاجتماعية التي تفتك بشباب أصحاب اللثام الأزرق الأبرياء. روبورتاج: ياسين بوغدة.

http://www.al-fadjr.com/ar/national/169151.html

__________

“الفجر” تحضر لحظات أجمل شروق وغروب شمس في العالم بقمة جبل “أسكرام” بتمنراست
متعة العين.. وسحر المكان!

2010.12.19

لا يعقل ممن يدخل عاصمة الأهقار، موطن الرجل الأزرق، تمنراست، أن لا يزرو جبل أسكرام، نظرا لأهمية هذا الموقع السياحي الساحر بطبيعته الخلابة. منذ تواجدنا بولاية تمنراست في إطار تغطية فعاليات الأسبوع الثقافي لولاية جيجل بتمنراست، بعد رحلة شاقة ومتعبة على مسافة حوالي 2400 كلم، كان فضولنا جامحا لزيارة العديد من المعالم السياسية والأثرية والتاريخية التي تزخر بها الحظيرة الوطنية للأهقار

منحوتات بركانية لأشكال إنسانية وحيوانية.. من عجائب الطريق إلى أسكرام!
وقد وجدنا في البداية صعوبات في إيجاد وسيلة تنقلنا إلى جبل أسكرام، لأن وكالات السفر في تلك الأثناء كانت تعيش ظروفا مزرية بعد منعها من القيام بجولات سياحية للأجانب إلى مواقع الطاسيلي “الهڤار”، وقد التقينا بصاحب وكالة أمنير للسياحة والتي تعني باللجهة الترڤية المرشد، حيث اتفقت معه رفقة فنانين من عاصمة الكورنيش على تنظيم رحلة لنا بقيمة مليون سنتيم تكلفة للنقل فقط.

الانطلاقة كانت على الساعة الواحدة زوالا من يوم الثلاثاء الذي صادف يوم عطلة رأس السنة الهجرية، من مخيم الشباب أدريان، حيث تقيم بعثتنا، على متن سيارة رباعية الدفع من نوع “طويوطا” بعد اقتناء كل لوازم الرحلة، حيث أشار سائق السيارة المدعو “بكاي حنين” إلى أن الطريق عبارة عن مسلك غير معبد ومليء بالحجارة بطول حوالي 80 كلم شمال عاصمة الولاية، حيث عبرنا وادي تمنراست لنأخذ اتجاه جبل الأهقار المشهور كما مررنا من مشروع المعهد الإسلامي الإفريقي وكذا مشروع القرن لرئيس الجمهورية المتمثل في تزويد سكان تمنراست بالماء الشروب انطلاقا من عين صالح على بعد حوالي 800 كلم، وبعد أن قطعنا مسافة 10 كلم مررنا تحت سفح جبل الهڤار أو “إغاهن” باللجهة الترڤية، ثم جبل “التيندي” والتي تعني “المهراس” و”يد المهراس”، وبعدها عبرنا وادي أسكرام الذي يصب في وادي تمنراست الجاف والذي لا تجري فيه المياه إلا في شهري جويلية وأوت، وكان يرافقني في هذه الجولة السياحية الرائعة الفنان التشكيلي مانع محمد والمصور الهاوي بازين مراد، هذا الأخير الذي كان يلتقط الصور بكل لهفة وعند وصولنا إلى منطقة “أيلولون” أوضح السائق “بكاي” بأن هذا الاسم يعني المنطقة التي توجد بها أشياء تلمع، وبعدها وبعد سير 30 كلم وجدنا لوحة إشارة بمنطقة “إيزرنن” التي يعيش سكانها عزلة كبيرة خاصة وأن هناك من الطلبة من يقطعون مسافة 60 كلم ذهابا وإيابا من أجل مزاولة الدراسة في تمنراست، على مسلك جد وعر ولا تسلكها سوى السيارات الرباعية الدفع وبأسعار خيالية، أو من خلال مساعدات من يملكون هذه السيارات أو الاضطرار للمبيت عند الأهالي بمدينة تمنراست.

جبال بركانية بأشكال إنسانية وحيوانية تزيد من دهشة الزائر
رغم تعب ومشقة الطريق الوعرة جدا، إلا أن السلاسل الجبلية التي تحيط بنا من كل الجهات تزيد من دهشة ومتعة الزائر وتعطي للرحلة نكهة خاصة، حيث شاهدنا لوحات فنية أبدع فيها الخالق، منها الجبل المسمى “أضوضاء” وهو بشكل إبهام يد الإنسان وكذا جبل “أوناهم” على يساره الذي يشبه الضرس، وكذا جبل آخر يشبه رأس الإنسان، وبالسلسلة الجبلية “أكاراكار” شاهدنا ما يشبه شكل امرأة تحمل ابنها، ورجل يلبس شاشا تقليديا، وبجانبه جبل آخر بشكل فيل وجبل آخر يظهر بشكل الأسد. وبإمكان الزائر أن يتخيل أشكالا أخرى من زاويا مختلفة حسب رؤيته وحسه التصوري.
في هذه اللحظات وبعد قطع حوالي 40 كلم بدأت درجة الحرارة تنخفض بشكل سريع كلما ازددنا ارتفاعا، والهواء يجف، ولهذا ومن أجل حماية الشفتين والأنف والوجه من الجفاف طلب منا السائق ارتداء الشاش أو العمامة أو “لانديغو” وقد قام ذات السائق بوضع الشاش على رؤوسنا وجزء هام من الوجه حسب تقنيات الرجل الأزرق في ذلك، وبعد مرور بضعة دقائق على ارتداء الشاش أحس المصور الشاب بجوع شديد ألزمنا التوقف بجانب بئر جديد بوسط “وادي أفيلال” الموجود تحت سفح جبال “أتاكور” حيث تناولنا وجبة الغداء، ثم واصلنا رحلتنا بين تضاريس وعرة وجبال شامخة وأخرى طينية، قبل أن ندخل الكيلومترات العشرة الأخيرة التي كانت جد صعبة ومخيفة، خاصة وأن السائق قال لنا إن سائحة فرنسية توفيت في حادث مرور أليم في السنوات الأخيرة جراء انقلاب السيارة التي كانت تستقلها، وقد وصلنا إلى سفح جبل “أسكرام” على الساعة الخامسة زوالا، أي بعد 4 ساعات من السير”، حيث توقفنا بالمخيم الوحيد للسياح الذي يظهر ببنايات تقليدية جدا، لنحجز الغرف ونرتدي الملابس الصوفية والقطنية والبرنوس وحتى القشابية التي لم تنفع مرافقي الفنان عند وصولنا إلى قمة الجبل، حيث كان الصعود في مرتفعات صخرية على حوالي 800 متر، حيث وجدنا عند القمة الراهب أو المارابو “إدوارد” الذي يقيم بأول مسكن شيد على قمة أسكرام سنة 1911 من طرف الفرنسي الراهب “شارل دوفوڤولد” الذي كان يستغلها كمعبد ولا يزال ذلك المسكن يستغل لتعبد المسيحيين حيث زرنا عدة أجنحة من المسكن المذكور، والذي يزوره المئات من السياح الأجانب، لنخرج بسرعة قبل إتمام الراهب الفرنسي “إدوارد” المرفوق بزميله الإسباني الذي يقيم معه المدعو “فانتورا” شروحاته لأن موعد الغروب قد حان، لنتوجه أنا وزملائي إلى الجهة الأخرى حيث محطة الأرصاد الجوية.

منظر غروب الشمس.. حيث للصمت والتأمل غايتهما العجيبة
من حسن حظنا أن في هذا اليوم كانت السماء صافية ماعدا بعض الغيوم القليلة في الأفق القريب تسخر فوق القمة زادتها أناقة وجمالا أخاذا، لتأتي تلك اللحظات العجيبة لأحسن غروب شمس في العالم، حيث كانت الشمس تتهيأ للنوم بين أحضان قمم أسكرام العجيب الذي ألبسته بأشعتها القوس قزحية تاجا رائعا ثمينا يلهم الفنانين والشعراء وكل المبدعين وحتى الذين لا يملكون أذواقا، حيث تشكلت عند نصف قرص الشمس أعظم لوحة فنية من إبداع الخالق عز وجل، وفي هذه اللحظات كنا نتهافت على التقاط الصور من كل الجهات، وفجأة لمحنا بجانبنا المهندس الصيني المدعو “زو” برفقة كل من نور الدين وعيسى المرافقين له، ينافسنا على التقاط الصور بشراسة، حيث وجدت بداخل مخزن آلته أزيد من 6 آلاف صورة قام بالتقاطها خلال جولته بالجبل وما حوله، وكله غبطة وسرور حيث أكد لنا أن هذا المنظر الخلاب لم يشاهد مثله في كل تنقلاته عبر دول العالم، وهو اليوم يعمل بتلمسان في شركة صينية للتنقيب عن المياه، وجاء لتمنراست لمشاهدة غروب وشروق الشمس، وقد بقينا نتأمل في تلك اللوحات الساحرة التي لم نرها من قبل لساعة أخرى بعد الغروب النهائي للشمس، خاصة بعد تشكل لوحات أخرى مع الغيوم الشفافة التي تأتي من ورائها أنوار بألوان مختلفة جعلتنا نرى أشكالا مختلفة وتخيلات أخرى لقمم تلك الجبال، كل وحسه الفني والإبداعي، وقد زاد ذلك الصمت والسكون الذي كان يخيم على ذلك المكان من تعلقنا به وانجذابنا اللاإرادي لسحره، لنعود بعد أن أدركتنا أجنحة الظلام في طريق حجري صعب وكدنا نفقد مسارنا لكننا في الأخير وجدنا ضالتنا وعدنا إلى المخيم حيث وجدنا مسيره الشاب “إيبا عمر” الذي ساعدنا في إعداد وتنظيم ليلة سمرية.

ليلة سمرية على وقع المشوي.. والشاي وحكايا الرجل الأزرق
اضطررنا للمبيت وذلك لعدم إمكانية التنقل ليلا سواء لصعوبة الطريق أو مخاطر أخرى، ومن جهة ثانية لنغتنم فرصة مشاهدة شروق الشمس، وقد تم تنظيم ليلة سمرية حميمية بين رفقائي وزوار آخرين، منهم الرعية الصيني، حيث اجتمعنا في قاعة كبيرة عبارة عن صالون ترڤي أصلي وبديكور خاص بالملابس التقليدية الترڤية، كما يضم فرنا أو مدفأة تقليدية استعملها “بكاي” و”مراد” في إعداد وجبة العشاء بطهي دجاجة بطريقة تقليدية داخل الفرن إضافة إلى المشوي بالثوم والتوابل والتي تلذذ بها كثيرا الرعية الصيني. بعدها واصلنا السمر باحتساء الشاي على أنغام موسيقى التيندي من إعداد “عيسى” والذي قدم لكل واحد منا الشاي في 3 أكواب، الأول يسمونه “قوي كالحب” والثاني “حنين كالحياة” والثالث “سكر كالحياة”، وهذا وسط حكايا الرجل الأزرق والنساء الثلاث اللائي يحملن اسم تمنراست حسب الأساطير الشعبية وعن أسارو، أي مفتاح مدينة تمنراست، المشهور بالمنطقة، وموسيقى الأمزاد المشهورة وقد كانت درجة الحرارة أقل من 5 درجات تحت الصفر حيث تجمدت المياه الموجودة في قارورة المياه المعدنية.

الشروق من الأسفل.. أو سحر المكان
لم تغمض لنا جفون إلا ما سرقناه من إغفاءة قصيرة، وما كادت الساعة الخامسة صباحا تعلن ميلادها حتى هببنا وكلنا نشاطا وحيوية مع برودة الجو وانفخاض الحرارة، ثم شرعت ومرافقي في صعود الجبل ونجتاز المسالك الوعرة مستعملين المصابيح اليدوية لقطع ما يزيد عن 800 متر لمشاهدة شروق الشمس من قمة جبل أسكرام، ولقد فاجأنا صديقنا الصيني الذي تسلل قبلنا وكان ملتفا ببطانية صوفية اتقاء للبرد، ولقد كان أذكى منا في احتلال أحسن مركز لمشاهدة الشروق، حيث كانت الريح عاتية مصحوبة ببرد قارس، وكانت حمرة الشروق تجتاز سلاسل الجبال المتعاقبة والمتداخلة والمشكلة للوحة فنية عجيبة وما هي إلا لحظات حتى شرعت تطلع علينا أشعتها النورانية التي مسحت قمم جبال “أتاكور” ثم بدأت تظهر من خلف جبل هرمي الشكل، ثم تطل علينا من خلال فجوة جبل آخر لتقديم صورة رائعة من إبداعات الخالق العظيم، وآية من آياته المتجلية في خلقه، لتبعث فينا شعورا بضعفنا ونقصنا أمام عظمة الله، وقد كان الحاضرون في سباق مع الوقت لأخذ صور تذكارية تثبت اللحظة الفنية والجمالية، خصوصا أننا كنا على ثاني أعلى قمة في الجزائر بعد قمة “التاهات” التي كانت خلفنا، وكنا نرى الجبال أمامنا منخفضة قليلا وهذا سر العجب، إذ كانت الشمس تشرق من تحتنا، وفي تلك الأثناء تمر بالزائر لحظات مفعمة بالدهشة الممتعة التي تنسي الإنسان نفسه وهمومه وعيش هنيهات وأوقات هي من أصفى وأطهر أيامه في الحياة.

وفي الأخير حزمنا أمتعتنا وودعنا المكان مشفقين على فرات الأسكرام، على كره منا، فمفارقة مثل ذلك المكان تبعث في أنفسنا ألما، وكلنا أمل على معاودة الزيارة لعدة مرات. وجدير ذكر أن مدير الحظيرة الوطنية للأهقار كان قد منع التسلق إثر وفاة سائح ألماني بعد صعوبة القمة، لكن تبين فيما بعد أن سبب الوفاة سكتة قلبية نظرا لكون السائح عانى من مرض القلب وليس بفعل البرد، إضافة إلى وفاة عدة جزائريين لأسباب مختلفة، أما السكان فقد أشاروا إلى أن شدة البرد، لا سيما في فصل الشتاء غالبا ما تؤدي إلى عدة وفيات وعليه يستلزم على زوار أسكرام اتخاذ كل الاحتياطات من أصحاب الوكالات السياحية وعدم المغامرة مع أصحاب “الفرود”.

على كل تبقى قمة جبل أسكرام ثاني أعلى قمة في الجزائر، حيث ترتفع عن مستوى سطح البحر بـ2780 متر ويبعد الجبل عن مدينة تمنراست بـ80 كلم، كما يبقى مقصدا مهما للسياح حيث تكتشف أسرار الطبيعة، معنى الوجود والاستمرارية والدهشة ومتعة العين، لكن يبقى على السلطات المحلية فتح مسلك للسيارات وترميم حجرات المخيم الوحيد بالجبل، وإنشاء برج بقمة الجبل بما يسهل للسياح رؤية شروق وغروب الشمس بأسكرام الذي يعني باللهجة الترڤية القمة الباردة.

استطلاع وتصوير: ياسين بوغدة

http://www.al-fadjr.com/ar/national/169264.html

, , , ,

رد واحد على تمنراست.. ذلك العالم الرائع والشاسع، والساحر بطبيعته الخلابة والمعالم التاريخية الشاهدة على الفترة الأولى لتكوين الأرض

  1. kadoool 9 يونيو 2011 | 10:00 ص #

    بعد اطلاع على هذا الموضوع, على معالم تاريخية على تمنراست اعجبني الى حدى ما ,لكن هل السدا و المخدرات والتزوير والى اخره هذا الكلام لا يدخل في المعالم التاريخة لمدينة تمنراست عند الكتابة عن معالم التاريخية تكتب على معن التاريخ على ما اعتقد ان كل مجال له ضوابطه وكذلك عما كتبه عن الزواج ان التارقي يتزوج النساء دفعة واحدة هذا من المبالغة لان هناك قوانين اجتماعية تضبط ذالك ، فكاتب هذا الموضوع قد بالغة الى حد ما , كما ان هناك تزاوج خطير في هذا الموضوع عند الكتابة يكتب الشي على ماهو او يسال اهل الاختصاص في ذلك شكرا .كدول من تمنراست

اترك رد

دعم WordPress. تصميم Woo Themes