لن ينسى الجزائريون عبارة “الخوف يجب أن ينتقل إلى المعسكر الآخر” التي أطلقها رئيس الحكومة الجزائري السابق رضا مالك يوما من أيام 1994 و التي كانت عنوانا كبيرا لبداية حملة من المجازر و عمليات القتل تحت التعذيب و الإختفاء القسري مست آلاف الجزائريين على يد قوات الأمن النظامية، ولم يكن مستغربا أبدا أن يلجأ رضا مالك إلى سياسة الأرض المحروقة تلك، وهو واحد من بقايا حزب فرنسا من الإستئصاليين الذين لفظهم الجزائريون وقد اقترب موعد رميهم في مزبلة التاريخ.


”الخبر” تزور رضا مالك وتفتح معه نقاشات السّاعة
الجزائر ليست بحاجة لاعتذار فرنسا عن جرائمها الاستعمارية

28-09-2010 الجزائر: سعيد خطيبي

استقبلنا، مؤخرا، رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك في بيته، وسمح لنا باستقطاع من عزلته، والاطلاع على بعض جوانب حياته الشخصية، والاقتراب من كثير من الآراء والانطباعات والتأملات السياسية المتعلقة خصوصا بآخر التّطورات التي تعرفها السّاحة الوطنيّة. كما فاتحنا بجملة من الملاحظات حول آخر إصداراته التي حملت عنوان ”حرب التحرير وثورة ديمقراطية.. كتابات من الماضي والحاضر”. كتاب تضمن رؤاه، حول مسائل داخلية وخارجية على امتداد الثلاثين سنة الماضية، أثارت ردود فعل بعض الشّخصيات السياسية.

نشتم بمجرد الولوج إلى بيت رضا مالك، عبق الورق. تقابلنا، بداية، مكتبة تقسم الصالون إلى جزأين. مرتّبة بعناية. تبعث على رغبة الاقتراب منها. تؤثثها كتب من مختلف التّخصصات: سياسة، اقتصاد، أدب وعلم اجتماع. تُزيّن جدران البيت لوحات فنية، ورسومات مستوحاة من الفن الإفريقي وأخرى زخرفية، تكشف عن ميول الرجل الثقافية. رضا مالك (79 سنة)، أصيل بلاد الأوراس، أصرّ علينا، بكرم، أن نرتشف معه فنجان قهوة، وتذوق بعض الحلويات التي طلبها من أجلنا، قبل الخوض في الحديث. أراد في البداية أن يسألنا ”كيف ترون أنتم الشباب حال البلد اليوم؟” قبل أن يجيب بنفسه ”أعرف! صار الوضع العام صعبا”. ويشير إلى حالة قلق وعدم رضا إزاء تطوّرات الحياة العامة في الجزائر.
الطبقة السياسيّة خارج مجال التّغطية
تعتري رضا مالك، الذي كان ناطقا باسم الوفد الجزائري في مفاوضات إيفيان، وأحد محرري برنامج طرابلس(1962)، نظرة كئيبة إزاء الوضع الصّعب الذي تعيشه الجزائر في الوقت الرّاهن، ويحاول تقديم جملة اقتراحات من أجل الخروج من عنق الزجاجة، ويقول ”لا بد من تنمية الوعي السّياسي. صار الوضع اليوم صعبا. المستقبل يُبنى ولا يتأتى وحده. لا ينزل من السّماء”. ويواصل ”يجب على السّلطة الحاكمة تشجيع المجتمع المدني. يجب السّماح للجزائريين بتنظيم أنفسهم. يجب أن يسترد الفرد الجزائري حريته وكرامته”.
ويضع صاحب كتاب ”التقليد والثورة” الإصبع على الجرح لما يقول ”من الضروري أن تتوقف مسخرة تزوير الانتخابات. لنترك الشّعب يختار مرشحيه. ما معنى أن تنغلق وزارة (في إشارة إلى وزارة الداخلية) حول نفسها وتمنح، وفق أهواءها، حزبا معينا نسبة مئوية معينة من الأصوات وحزبا آخر نسبة أخرى. خلال العشر سنوات المقبلة سيبلغ عدد سكان الجزائر عتبة الأربعين مليون نسمة ومن الصّعب جدا حينها تسيير شعب بهذا التعداد وفق الطريقة المنتهجة اليوم”.
ولا يرى محدثنا حرجا في تسمية الأشياء بمسمياتها والتصريح ”من الضّروري أن ينسحب الجيش عن الانخراط في الشؤون السياسيّة”. بينما يدعو رضا مالك الجيش إلى الانسحاب من الحياة السياسية يشدّد في الوقت نفسه، على دعوة ”المجتمع المدني إلى تنظيم نفسه أولا”. ويرى أن الطبقة السياسية، مختلف الأحزاب والتنظيمات، صارت خارج مجال التغطية، وليست تؤدي دورها كما ينبغي. ويقول ”حزب جبهة التحرير التاريخي انتهى. صار غير قادر على تجديد نفسه. الله غالب عليه. الأحزاب السياسية الأخرى لا تقوم بدورها. لا بد من إعادة النظر في كثير من الأمور، والعودة إلى البدايات”.
ويربط رضا مالك العودة إلى البدايات بضرورة منح الفرصة أمام الشباب. ويتساءل ”كيف من الممكن إقناع الشباب بمفاخر الماضي، وانتصارات الثورة، بينما مشروع المجتمع، في الوقت الراهن معطل؟”. شباب يخاطبه رضا مالك ويريده أن يكون جمهور وقراء كتابه ”حرب التحرير وثورة ديمقراطية.. كتابات من الماضي والحاضر” (منشورات القصبة – 2010) ويضيف ”يتضمن الكتاب مجموعة مقالات مهمة بالنسبة للجيل الجديد. كتبت بعضها قبل ثلاثين سنة. أردت إعادة نشرها بغية إدراك مختلف مواقفي، في الماضي والحاضر. مواقفي من مسائل الديمقراطية، الإسلام، اللغة العربيّة وغيرها من القضايا الأخرى”.
عبان رمضان رفض شعار ”الثورة بالشعب وإلى الشعب”
يتضمن كتاب رضا مالك الجديد مجموع من المقالات، التأملات والآراء الذاتية، بعضها صدر في وقت سابق عبر الصحافة الوطنية، خصوصا عبر جريدة ”المجاهد”، والأجنبية، وأخرى تنشر لأول مرة، من بينها واقعة طلب عبان رمضان(1957-1920) حذف عبارة ”الثورة بالشعب وإلى الشعب” التي كانت تظهر على واجهة المطبوعات الإعلاميّة، الخاصة بجبهة التحرير الوطني، سنوات الخمسينيات، ويحكي محدثنا ”تساءل عبان رمضان حينها: هل هي حرب تحريرية أم أنها ثورة؟”. ويضيف رضا مالك ”كانت الثورة منذ البداية تستند على قاعدة سياسية وإيديولوجية واحدة: التحرر من الاستعمار بأي أسلوب وبأية وسيلة. برزت شيئا فشيئا مع تجاوب الشعب، معالم الثورة الحقيقية”. ملاحظة عبان رمضان أثارت، آنذاك، استغراب وتعجّب المفكر والكاتب فرانز فانون. لكنها بقيت متداولة رغم تحفظ عبان رمضان عليها. في وقت يشير رضا مالك إلى ضرورة عدم تناسي بلوغ الثورة التحريرية أهداف بيان أول نوفمبر المتمثلة في ”الاستقلال التّام، وحدة التّراب ووحدة الشعب”، ويشيد بمرحلة الرئيس الأسبق هواري بومدين الذي استطاع، بحنكة تحقيق عدد من المكاسب الاقتصادية خصوصا، من خلال تأميم المناجم وتأميم المحروقات، يرى أن المنعرج والتحوّل الحقيقي قي تاريخ الجزائر، جاء مع وصول الرئيس الأسبق الشّاذلي بن جديد، الذي يقول عنه ”لم تكن حصيلته جيدة”، وأرجع ذلك إلى ”المنهجيّة الاقتصادية المعتمدة آنذاك، والتي لم تكن فعّالة، وأدت إلى اتساع نسبة البطالة وبروز الآفات الاجتماعية، منها أيضا الهجرة غير الشرعية اليوم، والتي لم تستطع الحكومة التحكم فيها، وقادت المجتمع إلى الانفجار واندلاع أحداث 5 أكتوبر .”1988 هذه الأحداث التي لا يستبعد محدثنا، على غرار سياسيين آخرين، تورط يد أجنبية فيها، و يضيف ”مهما يقال فأحداث 5 أكتوبر 1988 جاءت أيضا لتعبر عن حالة عدم رضا داخلية”.
ابتعد رضا مالك، بداية من سنة ,1984 عن الحياة السياسية، وعاد لاحقا، مطلع التسعينيات، مع عودة الرئيس الراحل محمد بوضياف، فترة استغلها ”في المطالعة وخطّ كتاب التقليد والثورة” الذي صدر 1991 وتنبأ فيه بصعود ”الفيس” وهيمنة الخطاب الديني، على واجهة الحياة السياسية. وكان من أوائل المناصرين لمبادرة وقف المسار الانتخابي (1992) وهو موقف يبرره ”الفيس أبان، من البداية، قبل وقف المسار الانتخابي، عن سلوكيات إرهابية. وواقعة ثكنة فمار تشهد عن ذلك. رفضت الفيس لأني أرفض العنف وأرفض التّحكم في السلطة باسم الدين”. وأرجع رضا مالك سر فوز الفيس في انتخابات 1991 إلى انسحاب وفشل جبهة التحرير الوطني في إثبات وتنظيم ذاتها. كماد يدين ”رئيس المجلس الوطني الاستشاري” سابقا، كل العمليات الإرهابية والاغتيالات ويقول ”كما أدنت اغتيال مدير مدرسة الفنون الجميلة، بمعية ابنه، واغتيال المسرحي عبد القادر علولة، وغيرهم من المثقفين والصحافيين والمواطنين البسطاء، أدنت أيضا محاولة اغتيال الشيخ سحنون، رغم أنني لا أتفق معه، وأدنت اغتيال الشيخ بوسليماني واغتيال حشاني. قناعاتي ثابتة ولم تتغيّر. أدنت هذه العمليات في وقتها، ساعة وقوعها”. ويضيف ”لست ضد الإسلام. أتفق مع أطروحات محمد عبده. وهو يرفض التقليد الأعمى، وأصحاب العمائم الذين صاروا اليوم يتجسدون في أصحاب الّلحى. ليس من حق فرد أو جماعة أو حزب سياسي السيطرة على الإسلام. الإسلام ملك وحقّ الجميع”.
ويرى رضا مالك، الذي خاض تجربة دبلوماسية طويلة، وشغل منصب سفير الجزائر عبر دول كثيرة، والذي يبين عن تشبع بالتراث العربي الإسلامي، أن ”كثيرا ممن يتحدثون عن الإسلام لا يفقهون الإسلام الحقيقي. وكثير من التنظيمات السياسية، التي تقوم على قواعد إسلامية، تنتهج أسلوب الكذب. الذي رافق تطور ونجاح الفيس مطلع التسعينيات”. ويشير ”يجب تربية وبناء وعي شبابنا على الحقيقة والشفافية. لا نبني البلد على الأكاذيب”. مع ضرورة عدم تناسي المأساة، سنوات التسعينيات، حيث مازال يصرّ على عدم التوافق مع قانون المصالحة الوطنية ويقول ”صحيح نحن من أجل حلّ الأزمة. جميل أن يعود المسلحون إلى جادة الصواب ويضعون السلاح. لكن يجب محاكمة جميع المتورطين في الاغتيالات والعمليات الإرهابية. يجب إعلاء الحقيقة ومن ثمة، إن أرادوا تخفيف العقوبات، فلهم ذلك”.
من ابن خلدون إلى محمد أركون

زار، يوما، زعيم حركة مجتمع السلم الأسبق، محفوظ نحناح، رضا مالك في بيته، هناك خاطبه محدثنا ”لست متفقا مع النهج الديني في حزبكم. رغم أنكم ترفعون شعار الاعتدال”. وقرأ محدثنا أمام نحناح مقاطعا من ”مقدمة” ابن خلدون عن التبعات السلبية من تأسيس نظام الحكم على قواعد دينية. خلاصة خلدونية أثارت انتباه الراحل نحناح وأعجبته ولكنه ”طبّق شيئا آخر” كما يقول رضا مالك الذي لم يخف امتعاضه من الهجمات التي صار يتعرض لها من بعض الأسماء السياسية المحسوبة على التيار الديني، آخرها زعيم حركة مجتمع السلم حاليا، أبوجرة سلطاني، الذي يخاطبه ”لست مستعدا للدخول في جدل معه” ويدعوه إلى إعادة قراءة كتابه الأخير بغية التّأكد من حقيقة من مواقفه إزاء سياسة التعريب في الجزائر، ويصرح ”أبدا لست ضد سياسة التعريب، في الجزائر. رفضت قانون التعريب (1992)، الذي رفعه المجلس الشعبي الوطني، زمن عبد العزيز بلخادم، لأنه يقوم على منطق العقوبات. يعاقب من يحرّر بعض الوثائق بلغة غير عربية. ويفرض في أحد البنود التعامل مع الخارج، اقتصاديا باللغة العربية فقط. هذا غير منطقي. بالتالي طلبنا إعادة النظر فيه، وتمّ ذلك عام 1996 حيث تمت إضافة بعض التعديلات”.
رضا مالك يتحدث بكثير من التلقائية، ولا يمانع في الإجابة عن مختلف الأسئلة، ويعود بالذاكرة إلى المفاوضات مع فرنسا، والتي أدرجت ضمن بنودها ضرورة تعويض ضحايا الجيش الفرنسي في الجزائر، مشيرا إلى حق ضحايا التجارب النووية، في الصحراء الجزائرية في التعويض، ويعقّب حول مسالة مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها في الجزائر ”نظريا، باعتقادي أن الجزائر ليست بحاجة لاعتراف فرنسا عن جرائمها الاستعمارية. لأن الشعب نال الاستقلال بيده. ولكن الجرح وذكريات الأعمال البشعة التي تركها الفرنسيون تبقى في الذاكرة. والأهم هي ضرورة استنباط الدروس وتفادي أخطاء الماضي”.
تركنا رضا مالك، يغرق مجددا عبر الكتب، وفي قلبه، مثل الكثيرين، حسرة على رحيل المفكر العربي محمد أركون، لكنه يقول ”لست أرى حرجا في دفنه بالمغرب. زوجته من هناك. ولها هي أيضا حق”. رضا مالك الذي يتذكر توقيفه من مهامه كرئيس حكومة في الجزائر ربيع ,1994 ويصرح ”تم توقيف مهامي بعدما استطعت حل مشكل جد شائك مع مجلس النقد الدولي. يتعلق بديون البلاد. ولما بدأت الجزائر تستعيد عافيتها ماديا أوقفوا مهامي”.
تركنا الرجل يستعيد هدوء يومياته، المشتتة بين المطالعة والكتابة، بعدما طّلق السياسة وأوقف العمل في حزبه ”التحالف الوطني الجمهوري” الذي دامت تجربته أربعة عشر سنة، بعدما أدرك أن سر الاندفاع صوب الكرسي والمسؤوليات في المجالس الانتخابية أصبح يعني للأسف ”المال و المكاسب الشخصية”. وهو نوع من المعاملة التي يرفضها.

http://www.elkhabar.com/ar/index.php?news=230465

Share.

4 تعليقات

  1. عليكم تعديل العنوان، فمحتوى المقال و وصف الرجل بالنجرم لا يتناسبان. في النهاية لن نصل الى حلول اذا استمرينا نتناعت بأشنع الوصاف. رحم الله الرجل.

  2. رضا مالك لم ينكر يوما أنه مارس العنف ضد الجزائريين…كيفما كانت صورته…و لم يحاول دفع التهمة عنه…و ظلّ ضد الإسلاميين في كلّ اتجاه…و دافع عن الفرنسية و عن مصالح اقتصادية أجنبية…لذلك أقيل من منصبه…و كذب على الشباب في حزبه…

  3. من اين كان يستمد هذا الرهط قوته مثله مثل من اجرموا بحق الشعب ، مارسوا الوصاية عليه ، ثم تجدهم في ارذل اعمارهم وضعفهم الفكري متمسكين بغرورهم ويعتبرون الشعب فاقد الاهلية وعليهم فرض افكارهم الغريبة والتي لا تخدم سوى فرنسا التي زرعتهم لابقاء الجزائر تعيش التبعية في كل مجال ، لكن النظام الذي جندهم لذلك رماهم كالكلاب وتراهم يشتكون الحقرة وحالهم يبعث على الضحك فهم لم يقنعوا الشعب بكذبهم عليه ، وهم لم يقتنعوا بعد بان الزمنان تغير كثيرا ، فكان ان يسقطوا فورا مع سقوط تشاوسيسكي وجدار برلين وهم لا يمثلون الجزائر بل يمثلون العار

Leave A Reply