القائمة العليا

5,931 قراءةطباعة الموضوع

الحـاكم و العصـفور …لو أُعطى السلطة في وطني: نزار قباني

الحاكم والعصفور بصوت نزار قباني

أتجوّل في الوطن العربي لأقرأ شعري للجمهور
فأنا مقتنعٌ أن الشعر رغيفٌ يخبز للجمهور
و أنا مقتنعٌ منذ بدأت أن الأحرف أسماكٌ .. و أنّ الماء هو الجمهور
أتجوّل في الوطن العربي و ليس معي إلا دفتر
يرسلني المخفر للمخفر .. يرسلني العسكر للعسكر
و أنا لا أحمل في جيبي إلا عصفور
لكن الضابط يوقفني .. و يريد جوازاً للعصفور
تحتاج الكلمة في وطني لجواز مرور
أبقى مرميّاً ساعاتٍ منتظراً فرمان المأمور
أتأمّل في أكياس الرمل و دمعي في عينيّ بحور
و أمامي ارتفعت لافتةٌ تتحدّث عن وطن واحد
تتحدّث عن شعب واحد .. وأنا كالجرذ هنا قاعد
أتقيّأ أحزاني و أدوس جميع شعارات الطبشور
و أظلّ على باب بلادي مرميّاً كالقدح المكسور

__

لو كانت تسمعني الصحراء
لطلبتُ إليها أن تتوقّف عن تفريخ ملايين الشعراء
و تحرر هذا الشعب الطّيب من سيف الكلمات
مازلنا منذ القرن السابع .. نمضغ ألياف الكلمات
نتزحلق في قشر الراءات .. نتدحرج من أعلى الهاءات
و ننام على هجو جرير .. و نفيق على حزن الخنساء
يابلدي كيف تموت الخيل .. و لا يبقى إلا الشعراء
مازلنا منذ القرن السابع .. خارج خارطة الأشياء
نترقّب عنترة العبسي .. يجيء على فرس بيضاء
ليفرّج عنّا كربتنا .. و يردّ طوابير الأعداء
مازلنا نقضم كالفئران .. مواعظ سادتنا الفقهاء
نقرأ معروف الاسكافيّ .. و نقرأ أخبار النّدماء
و نكات جحا .. و رجوع الشيخ .. و قصّة داحس و الغبراء
يا بلدي الطيّب يا بلدي ..
الكلمة كانت عصفوراً .. و جعلنا منها سوق بغاء

___

لو كانت نجدٌ تسمعني .. و الربع الخالي يسمعني
لختمت أنا بالشمع الأحمر سوق عكاظ
و شنقت جميع النجارين . و كل بياطرة الألفاظ
مازلنا منذ ولادتنا .. تسحقنا عجلات الألفاظ
لو أعطى السلطة في وطني .. لقلعت نهار الجمعة أسنان الخطباء
و قطعت أصابع من صبغوا بالكلمة أحذية الخلفاء
و جلدت جميع المندفعين بدينارٍ أو صحن حساء
و جلدتُ الهمزة في لغتي .. و جلدت الياء
و ذبحت السين و سوف و تاء التأنيث البلهاء
و الزخرف و الخط الكوفي .. و كل ألاعيب البلغاء
و كنست غبار فصاحتنا .. و جميع قصائدنا العصماء
يا بلدي كيف يموت الخيل و لا يبقى إلا الشعراء

___

لو أعطى السلطة في وطني ..
لأعدمت جميع المنبطحين على أبواب مقاهينا
و قطعت لسان مغنّينا
و فقأت عيون القمر الضاحك في أحزان ليالينا
و كسرت زجاجته الخضراء
و أرحتك يا ليل بلادي .. من هذا الوحش الآكل من لحم البسطاء
يا بلدي الطيب .. يا بلدي
لو تنشف آبار البترول و يبقى الماء
لو تلغى أجهزة التكييف من الغرف الحمراء
لو أعطى السلطة في وطني ..
جرّدت قياصرة الصحراء من الأثواب الحضاريّة
و نزعت جميع خواتمهم .. و محوت طلاء أظافرهم
و سحقت الأحذية اللّماعة .. و الساعات الذهبيّة
و أعدت حليب النّوق لهم .. و أعدت سروج الخيل لهم
و أعدت لهم حتى الأسماء العربيّة
لو يكتب في يافا الليمون .. لأرسل آلاف الكلمات
لو أنّ بحيرة طبريّا .. تعطينا بعض رسائلها
لاحترق القارئ و الصفحات
لو أنّ القدس لها شفةٌ .. لاختنقت في فمها الصلوات
لو أنّ .. و ما تجدي لو أنّ .. و نحن نسافر في المأساة
و نمدّ إلى الأرض المحتلّة .. حبلاً شعريّ الكلمات
و نمدّ إلى يافا منديلاً .. طرّز بالدمع و بالدعوات
يابلدي الطيب يا بلدي .. قتلتك سكاكين الكلمات
حين يصير الفكر في مدينة .. مسطّحاً كحدوة الحصان
و مدوّراً كحدوة الحصان .. و تستطيع أي بندقية يرفعها جبان
أن تقتل الإنسان .. أن تسحق الإنسان
حين تصير بلدة بأسرها مصيدة .. و الناس كالفئران
و تصبح الجرائد الموجهة أوراق نعي تملأ الحيطان
يموت كل شيء .. الماء و النبات و الأصوات و الألوان
تهاجر الأشجار من جذورها و يهرب من مكانه المكان .. و ينتهي الزمان
حين يصير التفكير في مدينة حشيشةً يمنعها القانون
حين يصبح التفكير في مدينة كالبغاء و اللواط و الأفيون
جريمة يطالها القانون
حين يصير الناس في مدينة .. ضفادعاً مفقوءة العيون
فلا يثورون ولا يشتكون ولا يغنون و لا يبكون
ولا يموتون ولا يحيون ..
تحترق الغابات و الأشجار .. تحترق الثمار
و يصبح الإنسان في موطنه أذلَّ من صرصار
حين يصير العدل في مدينة سفينة يركبها قرصان
و يصبح الإنسان معفّراً بالخوف و الأحزان
حين يصير الدمع في مدينة أكبر من مساحة الأجفان
يسقط كل شيء .. الشمس و النجوم .. و الجبال و الوديان
و الليل و النهار و البحار و الشطآن .. و ينتهي الإنسان
حين يصير الحبّ في مدينة نوعاً من البغاء
و يصبح التاريخ في مدينة ممسحة و الفكر كالحذاء
حين تصير نسمة الهواء تأتي بمرسوم من السلطان
و حبّة القمح تأتي بمرسوم من السلطان
و قطرة الماء التي نشربها تأتي بمرسوم من السلطان
حين تصير أمّة بأسرها .. ماشية تعلف بزريبة السلطان
يختنق الأطفال في أرحامهم و تجهض النساء
و تسقط الشمس على ساحاتنا مشنقةً سوداء

2 ردود على الحـاكم و العصـفور …لو أُعطى السلطة في وطني: نزار قباني

  1. abd allatif 18 فبراير 2011 | 11:03 ص #

    نعم لبوتفليقة لا للتغيير

  2. saber 19 مايو 2013 | 10:28 ص #

    رئساء الجزائر لا يموتون في الانقلابات يا بهائم يا من تدعون حب الشعوب العربية اين كنتم عندما كانت الجزائر في اسوء احوالها ايام التسعينات الم تتشفو فينا الان احببتمونا بعدما اصبحنا اسيادكم وتريدونا منا ان نسبح معكم في تيار المستنقعات الجزائر دائما وحيدة في نكباتها والان نريد ان نكون وحدنا ايضا في افراحنا فطبلو وزمرو كما شئتم نحن جزائريون

اترك رد

دعم WordPress. تصميم Woo Themes