عمدت الحكومة الفرنسية من اجل القضاء على الثورة وتقويض أركانها إلى انتهاج أسلوب قمعي تعسفي عن طريق سنها لقوانين رسمية، تهدف لهذا الغرض، فلقد ذكرنا في الفصل الأول أهم هذه القوانين مثل قانون حالة الطوارئ في 03 فيفري 1955، وكذلك قانون مبدأ المسؤولية الجماعية في 16 ماي 1955، وقانون حق المتابعة في سبتمبر 1955، بالإضافة إلى إنشاء مراكز التعذيب، سميت بالمراكز الإدارية الخاصة ” S.A.S” في بداية 1955، زد إلى ذلك إنشاء المناطق المحرمة بهدف تشريد السكان وعزل جيش التحرير عن الشعب عن طريق المحتشدات.
كل هذه القوانين سنت لا لأي هدف سوى لإبادة الشعب حتى ينصاع بالقوة ، ونظرا لما صحب هذه القوانين من زيادة كبيرة في عدد الجنود واستحداث وحدات أكثر تمرس كوحدة المظليين، ارتكب الجيش الفرنسي مجازر إبادية في هذه المرحلة تقشعر لهولها الأبدان، وتفاقمت عمليات القمع والإبادة والقتل، وأصبحت بمثابة إحياء لسياسة الأرض المحروقة كما عبر عنها الكاتب توفيق برو في كتابه:” جنون الاستعمار وجرائمه في الجزائر” ، حيث عملت هذه السياسة على :
1- قنبلة المداشر والقرى والمناطق الجبليةومداهمة المساكن لإرهاب الشعب
2- القمع والإرهاب عن طريق ممارسة التعذيب بمختلف أشكاله وألوانه.
3- اللجوء إلى عمليات إبادة جماعية وفردية وعشوائية ومنظمة عبر مختلف أنحاء الوطن لزرع بذور الهزيمة في نفوس الجزائريين([1])
هذه السياسة هدفت إلى تحقيق بعد حرب الإبادة الاستئصالية التي فرضتها القوات العسكرية الفرنسية وبتوجيه من مؤسساتها السياسية والتنفيذية ” الحكومة والهيئة التشريعية ” والتي أعطــت الشرعية لـهذه العمليات([2])
ومن أهم الجرائم المرتكبة في فترة الحرب التحريرية مايلي:
1- مجزرة ملعب سكيكدة : 23 أوت 1955
بعد أن تمكن جيش التحرير من توجيه ضربة خاطفة للمراكز الاستعمارية الفرنسية عبر كامل أنحاء الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، لجأت قوات العدو والمدعمة بالمستوطنين وتوجيهات سلطاتها السياسية إلى شن عمليات انتقامية وقمعية رهيبة ضد المدنيين الجزائريين في المناطق التي شهدت الهجومات في كل من سكيكدة وعين عبيد والميلية والحروش والسمندو، خلفت مجازر جماعية بلغ عدد

ضحاياها مايقارب12 ألف جزائري ، حيث نشرت جبهة التحرير حينها قائمة اسمية لعدد الضحايا ([3])
حيث مايزال يتذكر احد معاصري الحدث والذي يدعى ” بوزيد الشبل ” أحداث المجزرة حيث يقول:” …فبعد هجومات المجاهدين الشاملة والخاطفة، أعلنت قوات العدو حالة الطوارئ في كامل أنحاء المدينة – أي سكيكدة – وفي حدود الساعة السادسة مساءا أعلنت قوات العدو حالة استنفار قصوى وراحت تعتقل المواطنين جماعيا، وفي البداية سيق حوالي 1500 مدني إلى ملعب كرة الطائرة الكائن آنذاك تحت الضربات والرفس بمؤخرة البنادق والأيدي المرفوعة فوق الرؤوس([4])
…وفي يوم الأحد 21 أوت 1955، شرع رئيس بلدية سكيكدة ” كروفو ” الإشراف على عملية الفرز التي أسفرت عن إبادة جماعية…، في الوقت الذي سلطت فيه شتى أنواع التعذيب الوحشي على بقية المعتقلين المدنيين…ومكث الجميع في الملعب وشبح الموت يخيم على الجميع… فالكل عرضة للضرب بالخناجر والتشويه الجسدي… وكان كل من يقتل يرمى بخنادق خصصت للدفن الجماعي، فتحول الملعب البلدي إلى مقبرة جماعية ([5])
وتأتي اعترافات المجرم السفاح “بول اوساريس”([6]) لتحكي لنا ما جرى بالتفصيل، حيث يقول:”… قمنا بجمع الموتى المنتمين لجبهة التحرير المتواجدين في الشوارع وفي الملعب البلدي كانت هناك 134 جثة مصطفة فوق أرضية الملعب وتحت حراسة جنود من الكتيبة 18، أما الذين سقطوا في الأحراش، فلم نعثر عليهم إلا بعد أيام من ذلك عن طريق الروائح الكريهة المنبعثة لأننا كنا في عز شهر أوت([7])
قمنا باستعارة جرافة ( الحفارة )([8]) وقمت بحفر حفرة تبلغ 100 متر طولا و2 متر عرضا و1 متر عمقا، وقمنا بدفن الجثث… وفي الغد قدمت امرأة من مصلحة النظافة التابعة للمحافظة إلى مكتبي،… حيث قاموا بتزويدي بـ: اوكسيد الكالسيوم من اجل إخفاء الجثث”([9])
وعن الحصيلة الإجمالية لهذه المجزرة التي حضيت مدينة سكيكدة بالنصيب الأكبر في عدد القتلى

من المدنيين العزل حيث أقدمت القوات الفرنسية على إعدام 1500 مواطن([10])، من مختلف الأعمار بالرصاص عبر مختلف أحيائها وتجميعهم في ملعب المدينة المذكور سابقا ونستدل كذلك بشهادة لجندي فرنسي:” …إننا شرعنا نطلق الرصاص على الجميع بدون تفريق … وكان قادتنا يحددون الأوامر باستهداف كل العرب الذين نلقاهم… وبعد عمليات كبيرة من القتل… انتهى كل شيء وكانت إعدادهم هائلة لدرجة أن عددهم استوجب استعمال الجرافة ([11])
وقد حددت اعترافات اوساريس بعد 55 عام على الحادثة التي أوردها في مذكراته مايلي:
– حددت العدد الإجمالي بـ: 135 جزائري ومؤكدا أن معظم الضحايا من المدنيين وأنهم قتلوا بالرصاص.
– اعترف إن عملية التقتيل كانت عشوائية من خلال ماقاله:” كنا كل من نجده أمامنا نقتله وللأسف كان من بينهم الأطفال والنساء ([12])
وهذا يثبت ان العدد الحقيقي يتجاوز ما ذكر أضعاف مضاعفة ويتقارب مع الإحصائيات الأجنبية. وتكمن الأهمية التاريخية لهذه الاعترافات لكونها جاءت لرفع اللبس عن الادعاءات التي أطلقتها السلطات الفرنسية إبان الثورة التحريرية بكون الضحايا سقطوا نتيجة الهجومات التي شنها الثوار يوم 20 أوت 1955([13])
إن هذه المجزرة ماهي إلا عينة لعشرات المجازر التي ارتكبتها القوات الفرنسية عبر كامل الشمال القسنطيني، كمجزرة وادي الزناتي وعين عبيد والحروش.([14])
2- مجزرة 17 أكتوبر 1961 ضد الجالية الجزائرية بفرنسا:
هدفت الجمهورية الخامسةإلى القضاء على الثورة، ليس داخليا فقط، بل عن طريق مخطط ” موريس بابون” ([15])للقضاء على تنظيم جبهة التحرير، وتطهير فرنسا من إرهاب جبهة التحرير، حيث منحه الجنرال “ديغول”الضوء الأخضر في التصرف إزاء تلك الشريحة الجزائرية المهاجرة، الأمر الذي جعل المسئولين الفرنسيين ينشغلوا في الطريقة التي تمكنهم من وضع حد لهؤلاء الجزائريين الذين تمردوا

على فرنسا في الجزائر وفي عقر دارها أيضا، وكان “موريس بابون” في رأي ديغول وحكومته، القائد الناسب للمرحلة، على كسر شوكة جبهة التحرير في العاصمة الفرنسية ” باريس” .([16])
وقعت هذه المجزرة الجماعية ضد المهاجرين الجزائريين بفرنسا، وتعود وقائعها إلى يوم 05 أكتوبر 1961حينما اصدر محافظ الشرطة بباريس ” موريس بانون ” الذي اشتهر بجرائمه العنصرية ([17])، مرسوم يحمل رقم 13/61 وبنص على فرض حظر التجول على الجزائريين من الساعة الثامنة والنصف مساءا إلى الخامسة والنصف صباحا ويحدد شروط تنقلهم ([18])
وهو ما دفع بفدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا إلى دعوة الجالية الجزائرية إلى تنظيم مظاهرات سلمية يوم 17 أكتوبر 1961 للتنديد بهذا المرسوم العنصري([19])وتمكن في حدود الساعة الثامنة في نفس اليوم عشرات الآلاف من الجزائريين من الوصول إلى قلب العاصمة باريس رافعين شعارات مؤيدة لجبهة التحرير الوطني واستقلال الجزائر([20]) وهنا وجدت الشرطة الباريسية الفرصة مواتية وسانحة في التنكيل والقتل لمدة 15 يوما([21]) وبتواطؤ من أجهزة السلطة بفرنسا خلفت ما يقارب 300 قتيل جزائري و 400 في عداد المفقودين وما يقارب 9260 معتقل ([22])
وحتى السلطات الفرنسية أكدت على التفريط في استخدام القوة على المتظاهرين وحددت عدد القتلى في 210 ضحية، وأثبتت عدم تعرض أي شرطي أو مبنى عبر شوارع العاصمة إلى التخريب من طرف المتظاهرين، وهو مايؤكد الطبيعة السلمية للمظاهرة، فقد جاء في لجنة القوانين بالجمعية الوطنية الفرنسية التي كلفت بالتحقيق في حيثيات الأحداث برئاسة النائب ” سينار ساماريل ” يوم 09 نوفمبر 1961 وللتحقيق في الحقائق التي أوردتها بعض الصحف الفرنسية حول الأساليب غير الإنسانية التي مارسها رجال الشرطة على المقبوض عليهم في المظاهرات، وهذا مما جاء في بعض الصحف:” … أثناء زيارتنا لمقر الشرطة ” بفانسان ” يوم 06 نوفمبر وجدنا تناقض بين السجلات الخاصة بتحديد هوية المقبوض عليهم في المظاهرات ، بوجود 1710 شخص فرنسي من المسلمين ( إشارة إلى الجزائريين )، وبين العدد الذي قدمه رؤساء المصلحة وهو ما يجعلنا إلى طرح استفهام حول مصير 210 منهم ([23])

ويكفي ان نسجل الشهادات الفرنسي التي تقر بفضاعة الجريمة التي اقترفتها الشرطة الفرنسية ومنها:
1- أصدر حوالي 300 مثقفا بيانا يدين بشدة الجرائم البشعة التي ارتكبتها جمهورية ديغول الخامسة بقيادة موريس بابون، ومن بين الموقعين على هذا البيان الفيلسوف الفرنسي المعروف ” جون بول سارتر ” و ” سيمون دوبوفوار” الذي صدر بعد المذبحة مباشرة والذي جاء فيه:” عبر الجزائريون بكل كرامة وشجاعة عن مواقفهم من خلال مظاهرة نظموها في 17 أكتوبر 1961 احتجاجا على أعمال القمع المتزايد ضدهم والمسلط عليهم من طرف قوى الأمن الفرنسية…، هاهم الجزائريون يموتون من جديد لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا أحرارا …”([24])
“…فانه ليس كاف علينا الاقتصار على الاحتجاجات المعنوية، بل علينا أن ندعو جميع الأحزاب والهيئات النقابية والمنظمات الديمقراطية – ليس فقط من الإلحاح على الالغاء الفوري للإجراءات غير المشرفة والعنصرية المتخذة ضد الجزائريين والمعلقة بفرض حظر التجول- بل يجب علينا أن نبدي تضامنا مع مع العمال المهاجرين الجزائريين بصورة فعالة([25]). وقد لاق هذا البيان ردا واسعا في فرنسا من طرف الصحف الفرنسية وكذا المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفرنسي الذين ساندوا ووقفوا ضد الطبقة العاملة الجزائرية في فرنسا([26])
2- ما اقره عدد من الشرطة المنتمين إلى التيار الجمهوري في شهادتهم التاريخية ([27])، التي تؤكد على الفعل الإجرامي الذي مارسته الشرطة الفرنسية بأمر من قيادتهم وبتوجيه من السلطات السياسية.
3- ما أكده بعض الفرنسيين الذين شاهدوا الأحداث على كثب ومنهم المخرج السينمائي الشهير ” جاك بانجيل- jak- panjel” الذي قال :” بالفعل ذهبت وشاهدت…مظاهرات سلمية، لا تكسير لزجاج النوافذ و المحلات ولا تحطيم للسيارات…غير أنها قوبلت بقمع وحشي تجاوز حتى الصلاحيات التي يخولها القانون في هذه الأحداث([28])
4- ماجاء على لسان الصحف الفرنسية التي عبرت عن استيائها عن النتائج التي انتهت إليها المظاهرات وأكدت بعض الحالات التي تورط الشرطة الفرنسية في قتل وتعذيب الجزائريين، ومنهم صحيفة “الليبيراسيون”- “liperation ” الصادرة بتاريخ 19 أكتوبر 1961 والتي طرحت عدة تساؤلات حول خالات القتل التي تعرض لها الجزائريون في هذه المظاهرات من خلال ” …هل صحيح بان 120 جزائري قد القي عليهم القبض هذا الأسبوع والـقي بهم في نهر الـسين…هل صحـيح ان عددا مـن

الجزائريين قد تم شنقهم مؤخرا في غابات الناحية الباريسية …هل حقيقة أن كل ليلة يختفي جزائريون دون ان نجد لهم ولجثثهم أثرا في العيادات الصحية او مراكز الشرطة أو السجون …([29])
وكتبت صحيفة ” فرانس لسوار ” – ” le soir-France ” الصادرة في 17 اكتوبر1961 تقول:” يوم الأربعاء 18 أكتوبر كانت الساعة 23:00 ليلا بالقرب من جسر النصر حوالي 30 جزائري تم جمعهم وضربهم ثم إلقاؤهم في نهر السين من أعلى الجسر من طرف أفراد الشرطة … غرق منهم 15 شخص([30])
وجاء في صحيفة “l’humanité ” الصادرة في 18 أكتوبر 1961 مقالا مطولا جاء فيها :” في ليلة واحدة في شارع ( شان ديني ) ثم اغتيال 30 جزائريا برميهم في نهر السين بعد عمليات تعذيب بشعة ثم جرح العديد من الجزائريين وقذفهم في نهر السين أو تركهم جرحى …وفي غابات ” فانسان ” في الدائرة الباريسية الثامنة عشر قام اعضاء من الفرقة المتخصصة للشرطة بأعمال تعذيب وحشية ضد الجزائريين وإلقاء البنزين عليهم وإشعال النار فيهم…” ([31])
وبعد حوالي ثلاثون سنة من الحادثة اعترف مجلس الشيوخ الفرنسي على نص تشريعي سنة 1998 على كون مظاهرات 17 أكتوبر 1961 انتهت بقمعها بوحشية وإدراجها في المقررات الدراسية([32]) هذا ان دل على شيء فإنما يدل على أن فرنسا تعي جيدا مسؤوليتها اتجاه ما اقترفته من جرائم، وان تقادم بها الزمان لا يمكن أن تنساه ذاكرة الشعوب، كما أن اعتراف فرنسا بهذه الجريمة هو إدانة رفعتها على نفسها بنفسها.
3- التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر وأثارها:
لم تقتصر الإبادة التي سخرها الجيش الفرنسي على القتل الجماعي بالطرق المعهودة، بل تطور الأمر إلى حد استعمال العلم والتقدم التكنولوجي في خدمة الأغراض الدنيئة، ومن أمثلة هذه الممارسات نسجل ما اقترفته فرنسا بجميع أطيافها التي اشتركت في عملية تفجير القنبـلة النوويـة في الصحراء الجزائرية، واشترك فيها من الرئيس الفرنسي ” ديغول ” إلى ابسط جندي في الفيالق الفرنسية بالجزائر حيث تعود حيثيات هذه العملية إلى سنة 1960.

بدأت فرنسا أولى تجاربها النووية يوم 13 فبراير 1960 في حمو دية بمنطقة رقان، وخطورتها تكمن في كونها سطحية، تفطن سكان المنطقة والبلدان المجاورة بسحابة نووية خطيرة، لتتبعها سلسلة من التفجيرات الأخرى السطحية([33])
ونظرا لكون التجارب النووية حساسة وتتطلب وقتا، خاصة بعد العناء الذي عرفته فرنسا في بداية مشروعها النووي، حيث لم يسعفها الحظ في اكتساب التكنولوجيا النووية حتى سنة 1955([34])، وأقامت فرنسا مراكز لها بإفريقيا أطلقت عليها اسم مناطق التنظيم الصناعي الإفريقي “I.A . ZO” واختارت كمقر لها كل من:
1 – منطقة كولومب بشار: قرب الحدود المغربية وقد وضع مخطط هذه القاعدة على أساس أن يشمل قسما من التراب المغربي
2- منطقة الكويف وجبل العنق التي نص تصميمها على إدماج قسما من التراب التونسي
3- المنطقة الثالثة في غينيا
4- في مدغشقر ([35])
ونظرا لكون الصحراء تكتسي موقعا استراتيجيا مهما لعملية التجارب النووية، فقد أقامت مراكز نووية بالصحراء أهمها: منطقة رقان التي وقع الاختيار عليها في جوان 1957 بعد أن جرت بها عدة استطلاعات، واستقر بها ما بين 6500 فرنسي من علماء وتقنيين وجنود و 3500 جزائري كعمال بسطاء ومعتقلين.
1.3- تفجير القنبلة:
في بداية شهر فيفري من سنة 1960 كان كل شيء جاهز في رقان، وأصبح الأمر بيد الأرصاد الجوية التي ستحدد اليوم المواتي للتفجير، ولقد تم ذلك بالفعل في 12 فيفري 1960 وتقرر التفجير في يوم الغد أي 13 من فيفري، وأعطيت التعليمات الأخيرة([36])
وفي فجر ذلك اليوم اتجه الجنرال ” إليري ” ” LE Général- Aileret “إلى الحمودية مقر القيادة المتقدم الذي كان يبعد حوالي 15 كلم من النقطة الصفر، وجرت العمليات أوتوماتيكيا لتفادي أي خطأ.

سبقت عملية التفجير عدة صواريخ تعلن عن مدة التفجير التي ستتم بعد 50 ثا، وانفجرت القنبلة وشكلت كرة نارية هائلة انبعث منها ضوء باهر وسمع دويها على بعد حوالي دقيقة ثلاثين ثانية ([37]) انظر الملحق
2.3- ردود الأفعال الداخلية والخارجية:
1- موقف الثورة الجزائرية:
جاء في جريدة المجاهد ليوم 22 فيفري 1960 تصريح للسيد ” امحمد يزيد ” وزير الأخبار للحكومة الجزائرية المؤقتة يندد فيها بتفجير القنابل الذرية برقان هذا مقتطف منه ” … إن جريمة فرنسا هذه تحمل طابع المكر الاستعماري المستهتر بجميع القيم، إننا مع جميع شعوب الأرض نشهر بفعلة الحكومة الفرنسية التي تعرض الشعوب الإفريقية إلى أخطار التجارب النووية…، إن انفجار القنبلة الذرية برقان ينزع عن فرنسا كل ما يحتمل أن يبقى لها من سمعة في العالم .([38])
2- المواقف العربية والدولية:
* المغرب:
عندما فجرت القنبلة ألغى المغرب الاتفاقية الدبلوماسية المبرمة مع فرنسا في 28 ماي 1956، مما يعني أن الحكومة الفرنسية لن تمثل المغرب في البلدان التي لديها بها سفارات، كما استدعي سفير المغرب بفرنسا([39]).
*- العراق:
نقل راديو بغداد عن وكالة الإعلام العراقية تصريحا للناطق الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية العراقي جاء فيه: ” إن فرنسا قد تعدت على السيادة الجزائرية أولا، ووقفت أمام السلم الذي تنشده الشعوب ثانيا، ولذا فان العراق مستعد للوقوف مع الشعب الجزائري مساندا إياه من اجل وضع حد لهذه التجارب الفرنسية([40])
*- مصـر:
نددت الجمهورية العربية المتحدة باعتداءات الحكومة الفرنسية، وقد صرح بذلك وزير الثقافة والتوجيه الوطني الدكتور “عبد القادر حاتم” في تصريح له بثته وكالة الإعلام للشرق الأوسط جاء فيه :

“مادامت التجارب النووية الفرنسية تشكل عملا عدوانيا واضحا اتجاه الجنس البشري في تطلعاته ومستقبله، فإنها كذلك تعتبر خرقا صارخا لحقوق الشعب الجزائري” ([41]).
*- طرابلـس:
قدمت مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى السفارة الفرنسية ضد التفجير النووي في الصحراء الجزائرية من جهة، ومن جهة أخرى وجه الوزير الأول الليبي ” الدكتور محي الدين الفكيني ” برقية إلى السيد احمد بن بلة يعبر من خلالها عن تضامن حكومته مع الشعب الجزائري في موقفها الشرعي في معارضة هذه التجارب النووية على أراضيها.([42])
*- هيئة الأمم المتحــدة:
إن مندوبي الدول الغربية لدى هيئة الأمم المتحدة لم يحركوا ساكنا ولم يدينوا فرنسا وتجاربها بل كان هناك تأييد حكومي من طرف اعضاء الحلف الأطلسي، وهذا ما دفع بمندوب ” تشيكسلوفاكيا ، كارل كيركا ” إلى اتهام فرنسا بعرقلة مؤتمر نزع السلاح وتجاهلها لقرارات الهيئة وأكدت المعارضة من طرف كل من بلغاريا والهند وإثيوبيا وكندا والاتحاد السوفياتي ([43]) كما أدينت التفجيرات من طرف كل من مؤتمر نزع السلاح ” بجنيف ” ومؤتمر الشعوب الأفرو أسيوية .
3.3- أثار التجربة النووية (الذرية):
في الوقت الذي كان الفرنسيين يهللون فرحا ويستبشرون خيرا بالقنبلة الذرية التي سترفع مقامهم إلى مصاف الدول الكبرى، أصبح أهالي منطقة رقان حينها يستنشقون هواءا ملوثا بالإشعاعات، فلقد كان للتجارب النووية انعكاسات خطيرة على الإنسان والبيئة حتى بعد مرور سنوات طويلة على التفجـير.
1- على السكــان:
– ظهور بعض الأمراض التي كانت نادرة الحدوث مثل : السرطان خاصة سرطان الجلد، و مرض العيون .
– ظهور حالات العمى خاصة لدى الذين أخذهم الفضول لمشاهدة المخططات الفرنسية .
– الوفيات المتكررة للاطفال عند ولادتهم – بعضهم لديه تشوهات خلقية، مثل عين واحدة على الجبين ” وأصابع قصيرة جدا.monophtalme”

– ظهور حالات العقم التي أصبحت شائعة وكذا التأثيرات الوراثية كطمور الأعضاء التناسلية المسمـى
” Ambiguou genitalia ” ([44])
– بالرغم من مرور أكثر من ثلاثين سنة إلا انه أدى إلى إصابة احد الأشخاص بعد خروجه من سجـن رقان بسنوات قليلة، بسرطان الجلد حيث أدى به الأمر إلى وفاته سنة 2007. ( سجن في حوالي 1985 وأطلق سراحه في 1996) .
2- على البيئــة:
كانت هي أيضا وخيمة جدا حيث قضت الإشعاعات على الخيرات الطبيعية المتنوعة التي كانت تتميز بها (رقان)، ولقد تجلى الإشعاع الذري في الإضرار التي مست زراعة الحبوب والنخيل التي أصيب بوباء دخيل هو البيوض الذري ([45])
– آثار النفايات النووية منم معدات عسكرية في مناطق التفجيرات لازالت تشكل خطرا على البيئة فلا تعد مناطق صالحة للزراعة ولا لأي نشاط آخر، وهذا مايدخل في خانة تدهور الغطاء النباتي، وانخفاض إنتاج المحاصيل الحقلية وظهور سلالات خضرية ضعيفة الإنتاج والمقاومة اتجاه الأمراض النباتية والحشرات والفطريات والكائنات الدقيقة([46])
– كما أن التربة نتيجة لعملية الحرق النووية تصبح غير صالحة وتولد عملية الإحراق النووي، حرارة في الجو نتيجة الإشعاع الذي لا يزال موجودا، وعواصف تترتب عن هـذه التغيرات المفاجـئة في المنـاخ والتغيرات في حركة الكثبان الرملية
– التأثيرات الإشعاعية على الميله وخاصة مياه الشرب منها، فقد تلوثت نتيجة انحلال النويات الذرية التي وصلت إلى 800 نويدة منها 200 نويدة ذات أهمية خاصة بالنسبة لمياه الشرب وقد لوحظ تأثيرها على الأعضاء البشرية والحيوانية والنباتية واعتبرت مواد مسرطنة ([47])
إن هذه التجربة البشعة على أبناء الجزائر الذين استعملوا كفئران تجارب في العملية أثبتت مرة أخرى مدى تأصل الفكر الإجرامي لدى الفرنسيين الذين نادوا دوما بحرية الإنسان، ولم تكن هذه القنبلة الوحيدة، بحيث تلتها عدة عمليات منها:
– 1 افريل 1960 : عملية سميت باليربوع الأبيض فجرت بطاقة حوالي 10 كيلو طن
– 25 افريل 1961 : عملية اليربوع الأخضر و بطاقة حوالي 10 كيلو طن

– 22 مارس 1965 : أكثر من 13 تجربة باطنية، منها عملية واحدة فاشلة بحبل ” إن إيكر ” حيث يقع الجبل . محيطه حوالي 40 كلم ويمتاز بصلابة صخوره([48])
ورغم أن اتفاقيات ايفيان تقيد تواجد القوات العسكرية الفرنسية في الصحراء، وتحدد فترة تواجده بخمسة سنوات فقط أي من 1962 إلى غاية 1967 إلا أن فرنسا ضربت عرض الحائط بكل الشروط العسكرية وبدأت تجاربها النووية بالصحراء الجزائرية واستعمال الجزائريين دروعا بشرية لهذه التجارب دون احترام أدنى شروط الإنسانية.([49])
إن فصول الإجرام الفرنسي الذي تعددت جرائمه الابادية للسكان الجزائريين أثناء مرحلة الاحتلال، لم تقتصر على الجرائم المعروفة التي دونتها الكتب وتناقلتها الأجيال، بل هناك من الجرائم التي لم نعرف عنها أي شيء، وذلك لمحاولة المستعمر محو كل أثار جريمته المادية، من خلال إخفاء جميع الأدلة المادية والمعنوية، كإخفاء الجثث مثلا، أو عدم الإفصاح عن مكان دفنهم الجماعي بطبيعة الحال، إلا انه بالرغم من محاولة القوات الفرنسية إخفاء كل جرائمها إلا أن التاريخ كفيل بفضح إسراره ولو مرت على إحداثه ملايين السنيين، فقد أبت الأقدار إلا إن تكشف لنا عن مجزرة جماعية بمنطقة الشريعة بولاية تبسة
4- اكتشاف المقبرة الجماعية بالشريعة ولاية تبسة:
صادف يوم 20 مارس 2001م عملية اكتشاف هزت الوسط الإعلامي والعائلة الثورية ككل، تمثل في اكتشاف مقبرة جماعية بالشريعة ولاية تبسة.
هذه الجريمة التي تشاء الأقدار بعد 39 سنة من الاستقلال أن تم اكتشاف هذه المقبرة الجماعية بمدينة الشريعة ولاية تبسة إلى الجوار الشمالي لمقر البلدية، والذي كان إبان أيام الكفاح المسلح مقرًا للإدارة الفرنسيةS.A.S ([50])، عثر فيها خلال ثلاثة أشهر من التنقيب على 650 رفات، وأثبتت تقارير الطب الشرعي بعد معاينة كل الهياكل العظمية المستخرجة على أنها تعود إلى أيام الثورة التحريرية، كما أن الأشياء المكتشفة في المقبرة كزجاجات الخمر وبطريات توليد الطاقة الكهربائية، والسلاسل الحديدية آلاف قطع الرصاص وبعض الصحف التي تحمل تواريخ تعود إلى الثورة تثبت ذلك([51]).
وتعتبر هذه المقبرة مثالا حيا على حالات الإبادة الجماعية الذي طبقته القوات الفرنسية عبر كامل التراب الوطني، ومن خلال المعاينة الميدانية للهياكل العظمية منذ بداية عملية التنقيب للاستخراج الضحايا تظهر عمليات التعذيب بكل أنواعه والقتل المتعمد لهم ومن القرائن التي تدل على ذلك:

1- تكدس الهياكل العظمية فوق بعظها البعض يؤكد صفة القتل الجماعي للضحايا، فقد عثر على بئرين
2- أثناء عملية التنقيب بالموقع الأول يحتوي على58 هيكلا عظميا كاملا والثاني على 21 هيكل.
3- إن بعض الجماجم في حالة انتفاخ الفكين بزاوية تتجاوز 45º، وهو ما يؤكد أن بعض الضحيا دفنوا أحياء وهي من الوسائل التي طبقتها القوات الفرنسية في اعدام الجزائريين.
4- أطراف الهياكل العظمية لبعض الضحايا وجدت مكبلة بالأسلاك الحديدية وهو ما يؤكد تعرضالضحايا للربط المتعمد ثم القتل لكون حالات الدفن العادية لا تستدعي الربط بالأسلاك للأطراف السفلية والعلوية.
5- اكتشاف الحلي الفضية على رقاب بعض الضحايا يثبت أن عملية الاقبار كانت بدوافع اجرامية لكون عملية الدفن عند المسلمين ولاعتبارات دينية تقتضي نزع كل الحلي التي تتزين بها النساء أثناء موتهن، ويؤكد ذلك أنه حتى النساء لم تسلم من عملية القتل.
6- جثث الضحايا كانت متوجهة لكل الجهات ماعدا جهة القبلة وهي مخالفة لطبيعة الدفن عند المسلمين التي تكون باتجاه القبلة.
7- إن الموقع الذي اكتشفت به المقبرة كانت في الحيز الذي يقع به المكتب الاداري المختص والذي اشتهر بممارسة التعذيب والقتل أثناء الثورة التحريرية وكان يشرف عليه بمدينة الشريعة “كونور- CONORD “.
8- حسب شهادات عدد هام من المواطنين الذين عاصروا الثورة التحريرية بالمدينة فإن عددا هاما ممن كانوا يدخلون هذا المقرة تختفي أثارهم في ظروف غامضة كما حدث لخمسين شخص من مختلف الأعمار جيء بهم من مشتلة تمطيليا القريبة من مدينة الشريعة سنة 1959م، ونفس الحدث أوردته صحيفة المجاهد الصادرة بتاريخ الفاتح ماي 1959م([52])
هذه المقبرة تمثل عينة من جملة من الاكتشافات بهذه المنطقة منها 70 هيكل بمدينة تروبية و12 هيكل بناحية بئر الدواميس القريبة من مدينة الشريعة، هذه الجرائم الابادية للشعب الجزائري مجرد حلقة من الحلقات الإجرامية ضد الإنسانية للاستعمار الفرنسي والتي لا تقل خساسة عن جرائم القتل الفردي مع سبق الإصرار والترصد وهذا ما سنراه في ما يلي.

2- نماذج عن جرائم القتل العمدي:
1.2- اغتيال الشهيد العربي بن مهيدي:
يعتبر الشهيد العربي بن مهيدي من الوجوه التاريخية البارزة للثورة التحريرية، فهو أحد الأعضاء المؤسسين للجنة الثورية للوحدة والعمل(C.R.U.A) والعمل التي أشرفت على التخطيط وتفجير الثورة التحريرية وعين عضو لجنة 22 التاريخية في نهاية جويلية 1954م واسندت له مهمة قيادة المنطقة الخامسة (وهران) أثناء اندلاع الثورة، وفي مؤتمر الصومام 1956م عين في لجنة التنسيق والتنفيذ(C.C.E) إلى جانب المجلس الوطني للثورة (C.N.R.A) وكلف بتنظيم الكفاح المسلح في الجزائر العاصمة(1956م/1957م) أين تمكن من تنشيط العمليات الفدائية للثورة التحريرية في الخفاء أثناء معركة الجزائر([53]) .
وفي 23 فيفري1957م ألقي عليه القبض من طرف الوحدة العسكرية التابعة للفرقة الأولى المظلية بقيادة الجنرال ” ماسو- MASSU” الذي كلف بالإشراف على إعادة الأمن من طرف القيادة الفرنسية في الجزائر العاصمة([54]) .
وقد تعرض الشهيد أثناء اعتقاله للتعذيب الجسدي والنفسي لمدة 9 أيام كاملة حيث أكد العقيد” بيجار-BéGARD” للصحف الفرنسية بعد الإعلان عن الانتحار المزعوم للشهيد ذلك بقوله “… ان العربي بن مهيدي يعرف كيف يقهر الألم…” ([55]) .
كما أن إخفاء جثته على وسائل إعلام حتى الفرنسية بعد قتله يؤكد ذلك فقد تعودت وسائل الإعلام الفرنسية بأمر من السلطات إلى عرض صور القادة العسكريين لجيش التحرير الوطني بعد مقتله كما حدث للعقيد عميروش وجاءت اعترافات الجنرال أوساريس بعد 44 سنة من قتله بالرغم من كونها جاءت ناقصة لم تورد لا أدوار التعذيب التي تعرض لها ولا ملابسات الأحداث قبل إعدامه عمدًا دون محاكمة ولا أي مبرر سوى أنه من كبار قادة حركات التحرير حيث يقول أوساريس عن جريمته: ” …أنا لا أرى لماذا يكون بن مهيدي أفضل من الآخرين، وفي مجال الإرهاب لا يثيرني القائد أكثر من المنفذ البسيط. لقد قتلنا كثيرًا من الشياطين البؤساء الذين ينفذون أوامر هذا الرجل، وهانحن نتلكأ منذ قرابة ثلاثة أسابيع من أجل ما الذي سنفعله فقط..” ([56]) .

وبعد أخذ ورد بين الجنرال ماسو وقرينه أوساريس تم التوصل إلى ضرورة تسلمه من عند الفرقة الثالثة التابعة للمظليين بقيادة بيجار، حيث يقول أوساريس: “… تفاجأت عندما رأيت فرقة المظلين التابعة للوحدة الثالثة تقوم بتحية الشرف الأخيرة لزعيم جبهة التحرير الوطني المهزوم. لقد كان هذا التقدير الذي قام به بيجار للرجل الذي أصبح صديقه… ” ([57]).
ويضيف أوساريس قائلا عن أطوار الجريمة المنظمة: “… وأدخلناه الشاحنة وتوجهنا به بسرعة مفرطة لأن كمينا تحضره جبهة التحرير الوطني لتحريره كان جد محتمل… وأعطيت أمرًا أنه إذا تعرضنا لهجوم ما فاقضوا على بن مهيدي… وتوقفنا في مزرعة منعزلة كانت وحدتي تقيم فيها على بعد بضعة وعشرين كيلومتر جنوب العاصمة ويضيف:”… وفي نفس الوقت قمنا بإدخال السجين وعزله في غرفة مهيئة سلفًا- دليل على سبق الإصرار والترصد بالشهيد- وكان أحد رجالي يقف قبالة بابها، وبمجرد إدخال العربي بن مهيدي الى الغرفة قمنا بتقيده وشنقه بطريقة تفتح المجال لاحتمال حدوث عملية الانتحار وعندما تأكدت من موته أنزلته ونقلته إلى المستشفى…”([58]).
هذا التواطؤ الكبير في عملية قتل بن مهيدي عمدا في ليلة الرابع مارس 1957م تؤكد أن أمر التخلص من الشهيد أتت من جهات عليا للدولة الفرنسية…([59])، وهذا نلمسه من خلال الشهادة التي أدلى بها المحامي الفرنسي جاك فرجيس لإذاعة الجزائر وتكمن أهمية هذه الشهادة لتدحض الإدعاءات الفرنسية بكون أن الشهيد انتحر، وهي طريقة تعودت عليها فرنسا لإخفاء جرائمها وقد سبق وقلنا أنه بإمكانها تحريف حقائق التاريخ، ولكنها لن تستطيع محو ذاكرة الشعوب(انظر الملحق الخاص بشهادة جاك فرجيس وهو لقاء للمحامي مع إذاعة الجزائر يحمل فيه فرونسوا ميتران رئيس الدولة الفرنسية مسؤولية مقتل بن مهيدي).
2.2- اغتيال المحامي ولد عودية:
لم تقتصر حالات القتل الفردي التي مارستها السلطات الفرنسية على الجزائريين في الداخل بل وسعتها لتشمل أفراد من الجالية الجزائرية في المهجر خاصة النخبة المثقفة وما تعرض له المحامي الجزائري ولد عودية نموذجا حيا على ذلك ففي 13 ماي 1959م أقدم رجل مسلح أعتبر بالنسبة لمصالح الأمن الفرنسية مجهولا على اغتيال هذا المحامي في قلب العاصمة باريس رميا بالرصاص أين يتواجد مكتبه([60]).

وتشير الدلائل على مسؤولية الشرطة الفرنسية على هذه المنطقة ” فانسان-VENCENNE ” في تنفيذ هذه الجريمة. تلقى المحامي تهديد بالقتل من طرف بعض أفراد الشرطة بهذه المنطقة بسبب الشكاوى التي قدمها إلى الحكومة الفرنسية خاصة الرسالة التي بعث بها إلى الوزير المنتدب لدى رئاسة الحكومة السيد “مالرو- MALRO ” في 15 جانفي مع المحامي الفرنسي الشهير بدفاعه عن مناضلي جبهة التحرير “جاك فرجيس- JACQUES.VERGES” أو كما يدعى ” المحامي المشاغب” ومنهم جميلة بوشابة وجميلة بوحيرد هذه الرسالة التي تثبت تورط الشرطة الفرنسية بمنطقة فانسان في تعذيب جزائريين وهم ” رزقي محمد” و” ومحمد كرامة”([61]).
إلى جانب ذلك فقد تلقى قبل تسعة أيام رسالة بالفرنسية وردت إلى مكتبه تهدده بالقتل إذا استمر في مهمة المحامات([62])، وما يؤكد تورط بعض الجهات الرسمية من اغتياله هو عدم إبرام تحقيق مكمل لمحضر الشرطة والاكتفاء بتسجيل الحادثة ضد مجهول([63]).
إن مقتل المحامي ماهو إلا دليل على عنجهية الاستعمار الفرنسي الذي لا يفرق بين جهاد السلاح وجهاد القلم والعلم، اغتيال ولد عودية ليس اغتيال شخص إنما اغتيال للقانون في دولة القانون. (باعتباره كان محاميا).
3.2- اغتيال الطالبة حميدو بتلمسان:
لم تقتصر عمليات التقتيل الفردي على رجالات الثورة والأشخاص والزعامات البارزة في حمل مشعل الجهاد بل عممتها السلطات الفرنسية ليمس لهيبها الأطفال بالمدارس.
وكنموذج على هذه السياسة ما تعرضت إليه الطالبة حميدو في 18 أفريل 1985م ([64])، حيث عمد بعض الجنود الفرنسيين في مدينة تلمسان أثناء خروج التلاميذ من أحد المدارس إلى إطلاق النار على هذه الطالبة أردتها قتيلة([65])، هذه الحادثة التي أدت الى مظاهرات عمت كل أنحاء المدينة([66]).

3.2- شهادة عميد كلية الحقوق بالجزائر جاك بيروقا “JACK- BIREUGA “حول القتل الفردي:
من أهم الشهادات التي سجلها الفرنسيون والتي تثبت تورط السلطات العسكرية والسياسية الفرنسية في ممارسة التقتيل الفردي المنظم على الجزائريين ما سجله السيد ” جاك بيروقا ” عميد كلية الحقوق بجامعة الجزائر في رسالة وجهها إلى وزير الدفاع الفرنسي بتاريخ 18 مارس 1957م ([67]) والتي نسجل فيها نماذج عن القتل العمدي المحبوك وهذا مقتطف من ما جاء في الرسالة:
” … سيدي الوزير لقد قرأت بيانكم حول ما نسب للجيش الفرنسي من وحشية ورأيت فيه أن كل من يسكت عن الإدلاء بالشهادة يعتبر شريكا في الجريمة، وإذا أردنا أن لا تنسب إلينا أعمال النازية….وهاهي الوقائع التي لا أريد أن أكون شريكا فيها بسكوتي…ففي مدينة بوخارى في بداية شهر فيفري1959م أوقف البوليس والجند عند نهاية إضراب 8 أيام، ثمانية مسلمين معروفين وأخذوهم إلى السجن وهم بيجاوي وبن ناصر (معلمان) وبن يلس وطرابلسي وبشير وهم (تجار)، وبعد بضعة أيام من ايقافهم جاء الجنود الى السكان فيبخارىوطلبوا أن يدفنوا جثث موطينهم واخرجوا لهم من السيارة العسكرية جثث مشوهة من الضرب والتعذيب…” ([68]).
ومجمل القول أن جرائم القتل الفردي للجزائريين ماهي إلا عينة من أعمال الوحشية التي لا حصر لهان فالقتل العمدي الذي تم الاتفاق على تجريمه في محاكمات دولية جنائية بداية من محكمة نورمبورغ سنة 1946م والتي جرمت فيها فرنسا كبار رؤوس النازية بتهم الإبادة والقتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد، لم تمس هذه الاتفاقية الجزائريين، ولا نعلم لماذا، هل أن الفرنسيين الذين سقطوا نتيجة الاجتياح الألماني سنة 1940م هم بشر وشهداؤنا( وغير ذلك) أم ماذا؟ حقيقة إنك يا فرنسا لن تكوني سوى ما قال لك الألمان على لسان بسمارك ” … إن فرنسا مجرد قطعان منم الماشية..” وماذا يمكن لشعب همجي كالغول والفرانك أن يعلموا ما الحضارة وما معنى الإنسانية التي لا تتوقف حدود ميناء طولون…!!!.

[1]- توفيق برو: جنون الاستعمار وجرائمه في الجزائر- مجلة سرتا – العدد 716، السنة، 4 جويلية 1982 ، ص.58

[2] -jean- pierre : la guerre d’algerie et les français. Paris. Fayard.1990.p273.

[3] – إبراهيم شيبوط: أحداث 20 أوت 1955- مجلة أول نوفمبر- العدد 68، السنة ، 1984، ص.100

[4] – عثمان الطاهر علية: الثورة الجزائرية امجاد وبطولات، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والتوزيع والاشهار، الجزائر، 1996، ص. 124

[5]- نفسه: ص.125

[6]- بول اوساريس:

[7]- الجنرال اوساريس: شهادتي حول التعذيب، المصالح الخاصة: الجزائر 1957-1959، ترجمة: مصطفى فرحات، دار المعرفة الجزائر، ص.59

[8]- بخصوص الجرافة المستعملة في حفر الخندق الذي دفن فيه الشهداء يقول اوساريس:” طلبت من مصلحة الجنائز ان يدلوني على مقبرة إسلامية، وكان يجب علي ان احفر قبورا باتجاه مكة، كانت الأرضية صلبة ولهذا كان لابد من استعمال حفارة آلية وكانت الحفارة الوحيدة التي يمكن الحصول عليها متواجدة في مصلحة الفلاحة

[9]- اوساريس: المرجع السابق، ص. 60

[10]- بو الطمين جودي الاخضر: لمحات من ثورة الجزائر، الشركة الوطنية للكتاب، ط2، 1987، ص. 127

[11]- محمد العربي الزبيري: حول انتفاضة 20 اوت 1955، مجلة الثقافة، السنة 14، العدد 83، سبتمبر/اكتوبر 1984، ص.144

[12]- اوساريس: المرجع السابق، ص. 59

[13]- بو الطمين جودي الأخضر: المرجع السابق، ص. 127

[14]- عبد الرحمان بن العقون: هجومات 20 اوت 1955، مجلة أول نوفمبر، العدد 40 ، الجزائر، 1980، ص. 30

[15]- موريس بابون: ولد موريس بابون في 03 ديسمبر 1910 اب لثلاثة أطفال، تخرج من كلية الحقوق، وحاز دبلوم في الدراسات العليا في القانون والاقتصاد السياسي، كما درس علم الاجتماع والنفس وشغل عدة مناصب منها: مدير في مصلحة شؤون الجزائر في وزارة الداخلية الفرنسية في 1945، وفي 1949 واليا على قسنطينة وفي مارس 1958 عينه الجنرال ديغول محافظا على شرطة باريس، وفي 1968 تم انتخابه على منطقة “شير” ، وفي 1971 شيخا لبلدية ” سانت اماند ” وشغل منصب وزير للميزانية في حكومة ” رينولد بار” في ضل رئاسة ” جيسكار ديستان ” وبقي في هذا المنصب الى غاية 1978 حتى 1981 . مجلة الجيش، العدد 495، ص37 .

[16]- مساعيد، ض: جرائم موريس بابون ضد المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961، مجلة الجيش، عدد 495، 2004، ص.35

[17]- محمد البجاوي: حقائق عن الثورة الجزائرية، بيروت، 1976، ص. 209

[18]- نفسه: ص. 210

[19]- jen luc- einaudi : la bataille de 17 octobre 1961. media plus. Algérie. 1994. p. 299

[20]- محمد البجاوي: المرجع السابق، ص. 237

[21]- الزغيدي محمد لحسن: المرجع السابق، ص.237

[22]- الطاهر بوعنيقة: شهادات من جرائم الاستعمار الفرنسي ضد الهجرة، المجاهد الأسبوعي، العدد 1419 ، 16 أكتوبر، ص.31

[23] – jen luc- einaudi : op.cit. p.267

[24]- مساعيد، ض: المرجع السابق، ص. 36

[25]- نفسه: ص.36

[26]- نفسه: ص.36

[27] – jen luc- einaudi : op.cit. p. 309

[28] – طاهر بوعنيقة: المرجع السابق، ص.32

[29]- طاهر بوعنيقة: المرجع السابق، ص.33

[30]- نفسه: ص.33

[31]- نفسه: ص.33

[32]- وكالة الإنباء الفرنسية: اعتراف رسمي بقمع مظاهرات باريس، جريدة الخبر، 20 أكتوبر 2001، العدد 3250 ، ص 01.

[33] – مصلحة الدراسات بالمركز: التجارب النووية في الجزائر، دراسات وبحوث وشهادات، ط1، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة الول نوفمبر 1954، الجزائر، ص.17

[34] – نفسه: ص.21

[35] – نفسه: ص.23

[36] – نفسه: ص.26

[37] – مصلحة الدراسات : المرجع السابق، ص.26

[38] – عبد الكاظم العبودي: التجارب النووية الفرنسية ومخاطر التلوث الاشعاعي على الصحة والبيئة في المدى القريب والبعيد، نشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية، الجزائر، 2000، ص.93

[39]- مصلحة الدراسات : المرجع السابق، ص.30

[40]- بوعزة بوضرياسة: التجارب النووية في الصحراء وردود الفعل الدولية، سلسة الملتقيات، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية، 1998، ص.

[41] – بوعزة بوضرياسة: المرجع السابق، ص.283

[42] – نفسه: ص.282

[43] – نفسه: ص.286

[44] – عبد الكاظم العبودي: المرجع السابق، ص.91

[45]- مصلحة الدراسات : المرجع السابق، ص.23

[46] – عبد الكاظم العبودي: المرجع السابق، ص.93

[47] – نفسه: ص.93

[48] – مصلحة الدراسات : المرجع السابق، ص.86

[49]- بوعزة بوضرياسة: المرجع السابق، ص.281

[50]- هيئةالتحرير: جرائم فرنسا الاستعمارية، اكتشاف مقبرة جماعية بتبسة، المصادر، ص.242

[51]- نفسه، ص.242

[52]- علي كافي: أعمال توحش رهيبة بالمدن الجزائرية، المجاهد، العدد41، 01ماي 1959م، ص.09

[53]- سليمان بارور: حياة الشهيد بن مهيدي، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، ص.79

[54]- نفسه، ص.87

[55]- المنظمة الوطنية للمجاهدين: من شهداء الثورة التحريرية، منشورات الثقافة والاعلام، 1986م، الجزائر، ص.71

[56]- بول أوساريس: المرجع السابق، ص. 138

[57]- بول أوساريس: المرجع السابق، ص. 139

[58]- نفسه: ص. 140

[59]- بن يوسف بن خدة: المرجع السابق، ص 187.

[60]- هيئة التحرير: إغتيال المحامي ولد عودية، المجاهد العدد 43، 01 جوان 1959م، ص. 2

[61]- هيئة التحرير: المرجع السابق، ص. 13

[62]- نفسه: ص. 02

[63]- نفسه: ص. 02

[64]- سي بشير: المرأة الجزائرية بين التكالب الاستعماري والجهاد المقدس، المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة نوفمبر، الجزائر، 1998م، ص. 259

[65]- نفسه: ص. 259

[66]- نفسه: ص. 259

[67]- حسن بومالي: تعميم عمليات القمع على المدن الجزائرية، المجاهد الأسبوعي، 7 أوت 1987م، العدد1409 ، ص. 41

[68]- نفسه: ص. 41

Share.

تعليق واحد

  1. عبد الكريم بونعاس on

    بعد التحية و التقدير لسيادتكم الموقرة ارجو منكم ان تساعدوني في الحصول على بعض المعلومات و الاخبار والشواهد و حتى الصور اذا امكن حول محتشد اشواط ولاية جيجل،ولكم كنا كل التقدير و الاحترام،شكرا.

Leave A Reply